المودني عبدالسلام
27-04-2006, 07:34 PM
هاتف الصباح
اهتزت لرنينه كأنه فاجأها رغم أنها كانت تنتظره. هي دوما تنتظره و مع ذلك يربكها رنينه. يجعلها تهتز. تخشاه دوما. جلاّب الأخبار كما تنعته والنمام الأكبر.
كل يوم في مثل هذا الوقت تهتز حتّى قبل رنينه و منذ ستة أشهر، منذ أن رحلت زينب. بكرها مع زوجها إلى المدينة القصية. كان شرط البنت الأول على خاطبها الذي صار زوجها "الهاتف" كيما تستطيع أن تطلب أمها كل صباح. و تطمئن على أحوالها و تطلعها على جديد عيشها في المدينة القصية. و قبل الزوج الشرط. و صارت المحادثة اليومية ديدنهما
و تحولت من السؤال عن الأحوال إلى طلب النصائح من البنت لأمها المجربة حول عالم الرجال، خباياه و أسراره. وما يلزم فعله لتجعل رجلها وفيا لها خاضعا لسلطانها. ولإن كانت قد أحسنت تربيتها و أعدتها لبيت الزوجية بأن علمتها الطبخ و الكنس والمسح فإنهما غفلتا عن طرق باب غرفة النوم في حديثهما فبالأحرى دخولها. كأنهما تحرجتا من فعل ذلك مباشرة طيلة فترة التدريب. بيد أنهما لم تتقاعسا عن الحديث عن ذلك بل و التوسع فيه والإيغال في بحوره المديدة.
و في كل مرة كانت البنت تفاجأ لسعة علم أمها. فقد كانت موسوعة. و كان درسا يوميا تلجه مباشرة بعد بروتوكول السلام و السؤال عن الحال. فتراها تقول:
- وقفتا البارحة عند عدم المعارضة. إسمعيني يا "زنوبة". لاشيء ينفر الرجل من بيته و زوجته أكثر من كلمة "لا". تعوّدي أن تقولي له نعم حتّى و إن عنيت لا. و إذا أمرك شيئا حتـّى و لو لم تكوني تريدينه أو لا تستطيعين ولن تفعليه، لا تنطقي تلك الكلمة. قولي"نعم"فقط. ولا تفعلي شيئا يفعّلها. الرجل يا ابنتي كطفل صغير يعشق الدلال، و يريد أن يستشعر نفسه قطبا يدور حوله كل ما يحيط به.لإن كان مقهورا في عمله، ذليلا مهانا، يكتفي بتلقي الأوامر برأس منكسة فاجعليه ملكا في بيته. و أريه أنه صاحب كل شيء. وأنه القيمة الوحيدة في حياتك. إجعلي بيتك جنة. و أنت من الحور العين.أفهمتني حبيبتي . إلا كلمة "لا" لا تنطقيها بوجهه.
و لا تقفل الخط إلا إذا سمعت رنة أخرى تفزعها، و تهزها. دقات الساعة الحائطية عند الثانية عشر ظهرا. أي أن "المعطي" زوجها لم يبق له إلا القليل ليدخل. و لإن وصل فإن أول ما سيطلبه الأكل. و لكم غفلت عن رنة الساعة
و شدّتها نصائحها و لهيب حماستها في إلقاء درس من دروس الفراش. فكنت تسمعها تقول ـ طبعا بعد التحية والسلام والسؤال عن الأحوال ـ :
- شيئان يكرههما الرجل في غرفة نومه، و في فراشه تحديدا. الرائحة الكريهة و الامبالاة احرصي على راحته.
و امنحي له كل ما تملكين كل يوم أكثر من سابقه. فذاك يزيد في عطشه. و لتكوني في كل مرة مختلفة. فالروتين يدمر كل الأشياء الجميلة.
وتنسى دقات الساعة و يدخل"المعطي"الجائع. ويضربها ضربة خفيفة على عجيزتها مداعبا بعدما تصله كلماتها و تحيله على صولاتهما أيام الصحة و الشباب. فتثور ضده غاضبة. و تنتشلها حركته التغزلية من دروسها فتنسى أنها ممسكة بسماعة الهاتف. و تقدح عيناها شررا. و تصيب فوهة فمها "المعطي" الجريح:
- لو كان فيك رجاء غير هذه الحركة البلهاء. أيها الأخرق.
و تتذكر بعد ذهاب نوبة غضبها أن ابنتها لازالت تنتظر على الطرف الآخر. فتواصل حديثها إليها و قد استعادت هدوءها بنفس السرعة التي غضبت بها.
و اليوم ككل يوم اضطربت في مكانها و اهتزت لاضطراب الجهاز و اهتزازه، فتقصده من مطبخها حيث كانت تقطع البصل. ترفع السماعة و هي تنتظر أن يأتيها صوت ابنتها المألوف لديها. لكنها لمفاجأتها وصلها صوت آخر مألوف لديها أيضا:
- أمي..
فترد و البغتة تطالعها:
- "حمودة" أنت؟
- نعم أمي. اسمعيني جيدا لا وقت لديّ.
أرهفت السمع و هي تتطلع لصوت ابنها المضطرب الذي أردف:
- لست أنا من ينام الآن في غرفة النوم.
تطلعت إلى الغرفة التي يشير إليها المتحدث فإذا بابها مفرج . و تلفي جسدا ممددا هنالك. دنت منه متوثبة و انتبهت لأول مرة أنها لازالت تحتفظ بسكين تقطيع الخضر. تبينت ملامح وجهه. نعم إنه "حمودة" ابنها بوجهه البرئ و بنومه الثقيل. كيف يمكن أن يحدث كل هذا؟ لاشك أن الأمر مرده تلاعب أحد أصحابه. لطالما حذرته من رفقاء السوء الذين يمضي الليل متأخرا صحبتهم . لكنه لم يكن تلميذا نجيبا لدروسها و نصائحها.
أفزعتها رنة الهاتف مرة أخرى. و اهتزت لها فرائصها. لابد أنه "حمودة" إنه ينام بعمق حتّى إنه لا يكاد يشعر بكل حركة تجري في البيت. قصدت الهاتف مترددة و ألف ألف سؤال يتلاعب برأسها. رفعت السماعة بيد مرتعشة، بالكاد صدر صوتها المبحوح:
- آلو.
قالتها و هي تترقب أن يصلها الصوت المألوف المتلاعب. لكن صوتا آخر أكثر ألفة أتاها هذه المرة:
- ماما هل تشكين من شيء؟
صمتت قليلا متفكرة.(لا ينبغي لي أن أقلقها. خاصة أنها ورثت الوساوس عني. ثم إن الأمر ليس بتلك الأهمية).
- لا كل شيء بخير. كيف حالك يا "زنوبة" و زوجك "سعد"؟
- بخير. يمشي على الصراط المستقيم و الكل بفضل نصائحك.
- جيد. اسمعيني، أنا مضطرة لأقفل الخط. لديّ مشاغل كثيرة اليوم في المطبخ ووالدك كما تعلمين يمكن أن يصبر على كل شيء إلا على جوع بطنه.
منذ أن تقاعد "المعطي" حافظ على نفس مواعيده. يخرج في الثامنة و لا يعود إلا في الثانية عشر ظهرا. كان لا يطيق الجلوس في البيت معها وجها لوجه. التغيير الوحيد في يومه. قيلولة بعد الغداء استحدثها. و فرضتها عليه بدايات تقدمه في السن و شيخوخة طارئة.
- حسنا سأكلمك في الغد.
- سأنتظرك حبيبتي.
ما إن أقفلت الخط واضعة السماعة بعصبية واضحة حتّى عدَت نظراتها اللاهثة إلى ما وراء الباب الموارب. و إذا بجسد من يشبه "حمودة" يتحرك قليلا في نفس الوقت الذي اضطربت فيه سماعة الهاتف معلنة وجود طالب آخر في الطرف الآخر.
أتكون ابنتها تعاود الإتصال بعدما أدركت أنها سلت عن شيء. أو بلغها اضطراب والدتها فالبنت حساسة كأمها. أو قد يكون المتلاعب أو أنه فعلا "حمودة"؟
التقطت السماعة و قد داخلها القلق و زايدتها رجفة يدها. و تعثرت الخواطر برأسها التي جعلت تغلي و تصبب جبينها عرقا. وأتاها الصوت العميق المفزع:
- أمي.
قالت ببله:
- "حمودة" ابني أنت "حمودة"؟
- نعم أمي . ألم يأت أبي بعد؟
- لا لم يدخل بعد.
- عاودت الإتصال بك فلم أستطع بعدما انقطع الخط أول مرة. هل كلمتك "زنوبة"؟
- نعم.
- كيف حالها. و زوجها "سعد"؟
- بخير.
- هذا يعني أنك بمفردك. أرجوك أمي خذي حذرك إنه مجرم خطير. إنه لا يمزح.
- أين أنت الآن "حمودة"؟
- لقد خطفتني عصابة خطيرة يا أمي. تريد قتلي بعدما تنتزع من جسدي أعضاء سيبيعونها. و أظن أن المجرم الذي يحتل مكاني يريد أن يفعل معك و مع أبي الشيء نفسه.
- لكني ذهبت إليه يا بني إنه...أنت .
- أنا أعلم أن الأمر غريب بعض الشيء. إنه يضع قناعا لوجه يشبه وجهي. أرجوك أمي إنهم لا يمزحون.
- آلو "حمودة".
- آسف أمي . أرى أحدهم يقترب مني أبلغي الشرطة. إنهم سيقتلونني.
- آلو "حمودة".
- نعم.
- كل هذا غير مصدق. كيف أثق بصوت و أنكر صورة أمامي.
- لا وقت نملكه أمامنا. سأحاول أن أكون مختصرا. تذكرين يوم عاودتك تلك النوبة الجنونية الملعونة. كنت بعد صغيرا. و لم يكن بالبيت إلا أنت و أنا. أتذكرين ما فعلته بي. لقد أشبعتني ضربا على كل جسدي حتّى أصابته رضوض كثيرة. ولما هدأت و خشيت إن علم أبي أنك من فعل بي ذلك فيعاقبك ضربا بدوره. و أقنعتني ألا أفتح فمي. و عند حضوره. أخبرته أنني كنت ألعب في الشرفة و سقطت طابقين إلى الأرض.
أتذكرين يا أمي؟ و عندما سألني لم أشأ فضحك أمامه. و ظل الأمر سرا بيننا كما أمور أخرى كثيرة. لا أملك الوقت ل...
- آلو "حمودة". "حمودة".
انقطع الخط. وعيناها على الحجرة المقابلة. و السكين لازال بيدها. فجرت بكل ما تملك من قوة و سرعة وغضب صارخة:
- الباندي، ولد الكلبة.
حاول صاحب الجسد أن يلتفت للمهاجمة لكنه فوجئ بضربة سكين حادة في أسفل ظهره . تأوه جراءها. فضربة ثانية عند التفاتته. ثم ثالثة و رابعة.
- لا أمي، إنه أنا. لا...
كان صراخها يمنعها من سماع توسلاته:
- الباندي، ولد الكلبة.
- لا ،أرجوك إنه أنا "حمودة"...
ولازالت تطعنه تلك الطعنات القاتلة، و صراخهما يعلو كل العمارة. فاقتحم الجيران الفزعين شقة"المعطي بولخواتم"بعد أن طرقوا الباب بشدة فلم يفتح في وجوههم. و بادر"عباس" إلى القفز من شرفة مجاورة كما تعود أن يفعل مع صاحبه "حمودة". واكتضت الشقة بالجيران و اشرأبت الأعناق إلى غرفة "حمودة" حيث "حليمة"المشهود لها بخصاماتها
و نزاعاتها و خفة عقلها. وجدوها فوق ابنها "حمودة"المضرج بدمائه و طعناتها مستمرة دون انقطاع. فحال الرجال بينها و بين جثة الولد. و نزعا من يدها سكينها القاتل. وهي تكرر عبارتها الأولى:
- الباندي، ولد الكلبة. انزعوا عنه قناعه. لقد خطفوا ابني يريدون قتلي أنا و "المعطي".
و تدخل الحاج "عنان":
- قناع؟ ألا ترين أنه ابنك "حمودة". ما هذا التخريف "للاحليمة"؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.
نظرت إليه مستنكرة قوله:
- تخريف؟ لقد جاءني هاتف من ابني "حمودة"، يخبرني بخطتهم لقتلنا و نزع أعضائنا للإتجار بها.
وأوشك الحاج"عنان" أن يقول:( ينزعوا عقلك إنه لوحده يساوي ثروة). بيد أنه صمت فقال "عباس" و قد كادت العبارات تخنقه و هو يشاهد صديقه و رفيقه جثة طافية في بركة دم:
- لقد اشترى بالأمس هاتفا نقالا. ولاشك أنه كان يريد أن يمازحك.
و تبين للجميع أن "حمودة" المقتول كان نفسه المتصل بعدما رأوا هاتفه الجديد ملقى على سريره و قد أصابه دم صاحبه أيضا، و فحصوه فإذا رقم المنزل كان آخر رقم يتصل به بعدما مازح كل معارفه. و لما فرغ منهم جميعا قصد أمه ليمازحها. أما هي فظلت جاثية على ركبتيها غير مصدقة ما يقولونه و عيناها على وجه الباندي ولد الكلبة.
سلا في: 2005 /01/ 26
عبدالسلام المودني
اهتزت لرنينه كأنه فاجأها رغم أنها كانت تنتظره. هي دوما تنتظره و مع ذلك يربكها رنينه. يجعلها تهتز. تخشاه دوما. جلاّب الأخبار كما تنعته والنمام الأكبر.
كل يوم في مثل هذا الوقت تهتز حتّى قبل رنينه و منذ ستة أشهر، منذ أن رحلت زينب. بكرها مع زوجها إلى المدينة القصية. كان شرط البنت الأول على خاطبها الذي صار زوجها "الهاتف" كيما تستطيع أن تطلب أمها كل صباح. و تطمئن على أحوالها و تطلعها على جديد عيشها في المدينة القصية. و قبل الزوج الشرط. و صارت المحادثة اليومية ديدنهما
و تحولت من السؤال عن الأحوال إلى طلب النصائح من البنت لأمها المجربة حول عالم الرجال، خباياه و أسراره. وما يلزم فعله لتجعل رجلها وفيا لها خاضعا لسلطانها. ولإن كانت قد أحسنت تربيتها و أعدتها لبيت الزوجية بأن علمتها الطبخ و الكنس والمسح فإنهما غفلتا عن طرق باب غرفة النوم في حديثهما فبالأحرى دخولها. كأنهما تحرجتا من فعل ذلك مباشرة طيلة فترة التدريب. بيد أنهما لم تتقاعسا عن الحديث عن ذلك بل و التوسع فيه والإيغال في بحوره المديدة.
و في كل مرة كانت البنت تفاجأ لسعة علم أمها. فقد كانت موسوعة. و كان درسا يوميا تلجه مباشرة بعد بروتوكول السلام و السؤال عن الحال. فتراها تقول:
- وقفتا البارحة عند عدم المعارضة. إسمعيني يا "زنوبة". لاشيء ينفر الرجل من بيته و زوجته أكثر من كلمة "لا". تعوّدي أن تقولي له نعم حتّى و إن عنيت لا. و إذا أمرك شيئا حتـّى و لو لم تكوني تريدينه أو لا تستطيعين ولن تفعليه، لا تنطقي تلك الكلمة. قولي"نعم"فقط. ولا تفعلي شيئا يفعّلها. الرجل يا ابنتي كطفل صغير يعشق الدلال، و يريد أن يستشعر نفسه قطبا يدور حوله كل ما يحيط به.لإن كان مقهورا في عمله، ذليلا مهانا، يكتفي بتلقي الأوامر برأس منكسة فاجعليه ملكا في بيته. و أريه أنه صاحب كل شيء. وأنه القيمة الوحيدة في حياتك. إجعلي بيتك جنة. و أنت من الحور العين.أفهمتني حبيبتي . إلا كلمة "لا" لا تنطقيها بوجهه.
و لا تقفل الخط إلا إذا سمعت رنة أخرى تفزعها، و تهزها. دقات الساعة الحائطية عند الثانية عشر ظهرا. أي أن "المعطي" زوجها لم يبق له إلا القليل ليدخل. و لإن وصل فإن أول ما سيطلبه الأكل. و لكم غفلت عن رنة الساعة
و شدّتها نصائحها و لهيب حماستها في إلقاء درس من دروس الفراش. فكنت تسمعها تقول ـ طبعا بعد التحية والسلام والسؤال عن الأحوال ـ :
- شيئان يكرههما الرجل في غرفة نومه، و في فراشه تحديدا. الرائحة الكريهة و الامبالاة احرصي على راحته.
و امنحي له كل ما تملكين كل يوم أكثر من سابقه. فذاك يزيد في عطشه. و لتكوني في كل مرة مختلفة. فالروتين يدمر كل الأشياء الجميلة.
وتنسى دقات الساعة و يدخل"المعطي"الجائع. ويضربها ضربة خفيفة على عجيزتها مداعبا بعدما تصله كلماتها و تحيله على صولاتهما أيام الصحة و الشباب. فتثور ضده غاضبة. و تنتشلها حركته التغزلية من دروسها فتنسى أنها ممسكة بسماعة الهاتف. و تقدح عيناها شررا. و تصيب فوهة فمها "المعطي" الجريح:
- لو كان فيك رجاء غير هذه الحركة البلهاء. أيها الأخرق.
و تتذكر بعد ذهاب نوبة غضبها أن ابنتها لازالت تنتظر على الطرف الآخر. فتواصل حديثها إليها و قد استعادت هدوءها بنفس السرعة التي غضبت بها.
و اليوم ككل يوم اضطربت في مكانها و اهتزت لاضطراب الجهاز و اهتزازه، فتقصده من مطبخها حيث كانت تقطع البصل. ترفع السماعة و هي تنتظر أن يأتيها صوت ابنتها المألوف لديها. لكنها لمفاجأتها وصلها صوت آخر مألوف لديها أيضا:
- أمي..
فترد و البغتة تطالعها:
- "حمودة" أنت؟
- نعم أمي. اسمعيني جيدا لا وقت لديّ.
أرهفت السمع و هي تتطلع لصوت ابنها المضطرب الذي أردف:
- لست أنا من ينام الآن في غرفة النوم.
تطلعت إلى الغرفة التي يشير إليها المتحدث فإذا بابها مفرج . و تلفي جسدا ممددا هنالك. دنت منه متوثبة و انتبهت لأول مرة أنها لازالت تحتفظ بسكين تقطيع الخضر. تبينت ملامح وجهه. نعم إنه "حمودة" ابنها بوجهه البرئ و بنومه الثقيل. كيف يمكن أن يحدث كل هذا؟ لاشك أن الأمر مرده تلاعب أحد أصحابه. لطالما حذرته من رفقاء السوء الذين يمضي الليل متأخرا صحبتهم . لكنه لم يكن تلميذا نجيبا لدروسها و نصائحها.
أفزعتها رنة الهاتف مرة أخرى. و اهتزت لها فرائصها. لابد أنه "حمودة" إنه ينام بعمق حتّى إنه لا يكاد يشعر بكل حركة تجري في البيت. قصدت الهاتف مترددة و ألف ألف سؤال يتلاعب برأسها. رفعت السماعة بيد مرتعشة، بالكاد صدر صوتها المبحوح:
- آلو.
قالتها و هي تترقب أن يصلها الصوت المألوف المتلاعب. لكن صوتا آخر أكثر ألفة أتاها هذه المرة:
- ماما هل تشكين من شيء؟
صمتت قليلا متفكرة.(لا ينبغي لي أن أقلقها. خاصة أنها ورثت الوساوس عني. ثم إن الأمر ليس بتلك الأهمية).
- لا كل شيء بخير. كيف حالك يا "زنوبة" و زوجك "سعد"؟
- بخير. يمشي على الصراط المستقيم و الكل بفضل نصائحك.
- جيد. اسمعيني، أنا مضطرة لأقفل الخط. لديّ مشاغل كثيرة اليوم في المطبخ ووالدك كما تعلمين يمكن أن يصبر على كل شيء إلا على جوع بطنه.
منذ أن تقاعد "المعطي" حافظ على نفس مواعيده. يخرج في الثامنة و لا يعود إلا في الثانية عشر ظهرا. كان لا يطيق الجلوس في البيت معها وجها لوجه. التغيير الوحيد في يومه. قيلولة بعد الغداء استحدثها. و فرضتها عليه بدايات تقدمه في السن و شيخوخة طارئة.
- حسنا سأكلمك في الغد.
- سأنتظرك حبيبتي.
ما إن أقفلت الخط واضعة السماعة بعصبية واضحة حتّى عدَت نظراتها اللاهثة إلى ما وراء الباب الموارب. و إذا بجسد من يشبه "حمودة" يتحرك قليلا في نفس الوقت الذي اضطربت فيه سماعة الهاتف معلنة وجود طالب آخر في الطرف الآخر.
أتكون ابنتها تعاود الإتصال بعدما أدركت أنها سلت عن شيء. أو بلغها اضطراب والدتها فالبنت حساسة كأمها. أو قد يكون المتلاعب أو أنه فعلا "حمودة"؟
التقطت السماعة و قد داخلها القلق و زايدتها رجفة يدها. و تعثرت الخواطر برأسها التي جعلت تغلي و تصبب جبينها عرقا. وأتاها الصوت العميق المفزع:
- أمي.
قالت ببله:
- "حمودة" ابني أنت "حمودة"؟
- نعم أمي . ألم يأت أبي بعد؟
- لا لم يدخل بعد.
- عاودت الإتصال بك فلم أستطع بعدما انقطع الخط أول مرة. هل كلمتك "زنوبة"؟
- نعم.
- كيف حالها. و زوجها "سعد"؟
- بخير.
- هذا يعني أنك بمفردك. أرجوك أمي خذي حذرك إنه مجرم خطير. إنه لا يمزح.
- أين أنت الآن "حمودة"؟
- لقد خطفتني عصابة خطيرة يا أمي. تريد قتلي بعدما تنتزع من جسدي أعضاء سيبيعونها. و أظن أن المجرم الذي يحتل مكاني يريد أن يفعل معك و مع أبي الشيء نفسه.
- لكني ذهبت إليه يا بني إنه...أنت .
- أنا أعلم أن الأمر غريب بعض الشيء. إنه يضع قناعا لوجه يشبه وجهي. أرجوك أمي إنهم لا يمزحون.
- آلو "حمودة".
- آسف أمي . أرى أحدهم يقترب مني أبلغي الشرطة. إنهم سيقتلونني.
- آلو "حمودة".
- نعم.
- كل هذا غير مصدق. كيف أثق بصوت و أنكر صورة أمامي.
- لا وقت نملكه أمامنا. سأحاول أن أكون مختصرا. تذكرين يوم عاودتك تلك النوبة الجنونية الملعونة. كنت بعد صغيرا. و لم يكن بالبيت إلا أنت و أنا. أتذكرين ما فعلته بي. لقد أشبعتني ضربا على كل جسدي حتّى أصابته رضوض كثيرة. ولما هدأت و خشيت إن علم أبي أنك من فعل بي ذلك فيعاقبك ضربا بدوره. و أقنعتني ألا أفتح فمي. و عند حضوره. أخبرته أنني كنت ألعب في الشرفة و سقطت طابقين إلى الأرض.
أتذكرين يا أمي؟ و عندما سألني لم أشأ فضحك أمامه. و ظل الأمر سرا بيننا كما أمور أخرى كثيرة. لا أملك الوقت ل...
- آلو "حمودة". "حمودة".
انقطع الخط. وعيناها على الحجرة المقابلة. و السكين لازال بيدها. فجرت بكل ما تملك من قوة و سرعة وغضب صارخة:
- الباندي، ولد الكلبة.
حاول صاحب الجسد أن يلتفت للمهاجمة لكنه فوجئ بضربة سكين حادة في أسفل ظهره . تأوه جراءها. فضربة ثانية عند التفاتته. ثم ثالثة و رابعة.
- لا أمي، إنه أنا. لا...
كان صراخها يمنعها من سماع توسلاته:
- الباندي، ولد الكلبة.
- لا ،أرجوك إنه أنا "حمودة"...
ولازالت تطعنه تلك الطعنات القاتلة، و صراخهما يعلو كل العمارة. فاقتحم الجيران الفزعين شقة"المعطي بولخواتم"بعد أن طرقوا الباب بشدة فلم يفتح في وجوههم. و بادر"عباس" إلى القفز من شرفة مجاورة كما تعود أن يفعل مع صاحبه "حمودة". واكتضت الشقة بالجيران و اشرأبت الأعناق إلى غرفة "حمودة" حيث "حليمة"المشهود لها بخصاماتها
و نزاعاتها و خفة عقلها. وجدوها فوق ابنها "حمودة"المضرج بدمائه و طعناتها مستمرة دون انقطاع. فحال الرجال بينها و بين جثة الولد. و نزعا من يدها سكينها القاتل. وهي تكرر عبارتها الأولى:
- الباندي، ولد الكلبة. انزعوا عنه قناعه. لقد خطفوا ابني يريدون قتلي أنا و "المعطي".
و تدخل الحاج "عنان":
- قناع؟ ألا ترين أنه ابنك "حمودة". ما هذا التخريف "للاحليمة"؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.
نظرت إليه مستنكرة قوله:
- تخريف؟ لقد جاءني هاتف من ابني "حمودة"، يخبرني بخطتهم لقتلنا و نزع أعضائنا للإتجار بها.
وأوشك الحاج"عنان" أن يقول:( ينزعوا عقلك إنه لوحده يساوي ثروة). بيد أنه صمت فقال "عباس" و قد كادت العبارات تخنقه و هو يشاهد صديقه و رفيقه جثة طافية في بركة دم:
- لقد اشترى بالأمس هاتفا نقالا. ولاشك أنه كان يريد أن يمازحك.
و تبين للجميع أن "حمودة" المقتول كان نفسه المتصل بعدما رأوا هاتفه الجديد ملقى على سريره و قد أصابه دم صاحبه أيضا، و فحصوه فإذا رقم المنزل كان آخر رقم يتصل به بعدما مازح كل معارفه. و لما فرغ منهم جميعا قصد أمه ليمازحها. أما هي فظلت جاثية على ركبتيها غير مصدقة ما يقولونه و عيناها على وجه الباندي ولد الكلبة.
سلا في: 2005 /01/ 26
عبدالسلام المودني