المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لا أين و لا كيف قصة سمير المنزلاوى


سمير المنزلاوى
27-04-2006, 07:42 PM
تركتنى أمى أمام قبر مرمرى يتوهج فى الشمس . فوقه يقيم اناء به صبار ذو زهار صفراء تتنفس عطرا قاسيا . لا صوت , ثمة فراشات تحوم و لا تهبط . فى الطواف الثانى انبثق رجل كأن الصحراء أنبتته لتوها . جاف طويل , حاولت الفرار فرفع عقيرته بالعويل الملتاع الذى يقطع نياط القلب. اقتربت و ابتعدت فى آن و قلت فى رعب حقيقى : - كيف ظهرت و. . .
صاح صيحة منكرة اهتز لها الجدث و ربما من فيه أيضا ! ثم خر صعقا لا خبر له عن نفسه.
لا نقطة ماء , ناديت أمى من الخباء فلم ترد . انتزعت زهرة صبار و قربتها من أنفه فأفاق و عاد يحاول الصياح ، نهرته فى شجاعة وهمية فيما تصطك ركبتاى وقلت : - ما هذا السخف ؟
أشار الى كتابة منمنمة فى جانب القبر , ألصقت عينى بالحروف التى نجت من مقام المحو:
( جساس قتل كليبا بالغدر ). ناح فزجرته: - أمن أجل ناقة عجفاء ؟
: - ناقة ؟
: - هذا ما قرأته فى كتاب الأغانى.
:- آه . و حق صمته الثقيل , لو أكل كبدى و شرب دمى و نحر صبيانى ما امتدت يدى اليه بسوء !
: - زدنى.
: - لله أنتم معشر المتحذلقين.
مضى يخب كالجمل الهائج و يردد الفضاء العريض صوته الفخم البائس: - لو رايتنى أغمد الرمح من الخلف ثم أذبح العزيز و أتركه للعقبان !
تخرج أمى من الخباء, بصحبتها جارية بيضاء تترجرج كالزبد فى ثياب سوداء سابغة. سمعت أمى تودعها و تقبلها , ثم تباهت : - هذه صديقتى جليلة بنت مره .

*********************
استأذنت أمى أن أرحل مع طلاب العلم الى دا ر السلام فرفضت . قبلت قدميها و خرجت أبكى. نزلت بحرا من ظلام , تمر أمامى أشباح طلاب دار السلام يحملون أخراج الطعام و الأقلام و الورق . فى عيونهم لمعة العلم و دهشته و على شفاههم بسمات الاشفاق و هم يودعوننى .
ذهبت أبكى على قبر أبى , غفوت , و لما أفقت وجدت رأسى على فخذ شاب أمرد نفحنى أوراقا مكسوة بجلد عظاءة: - خذها عوضا عن الر حلة.
: - عرفتك من كتاب الفتوحات.
: - هات ما عندك.
: -انك فى الأولى خرقتها و لا ماء ولا غرق! و فى الثالثة أقمته بلا ملاط أو أجرة! فما بال الثانية ؟
أشار بيده فرأيتنى و أنا هنا . . هناك . أعذب بالسياط حتى يتساقط لحم وجهى و صدرى و بطنى و عورتى و أطرافى و مخ عظامى و أخلاط دماغى.
أشار ثانية فولى المشهد و قال: - أهونه ما ترى.
***********************

فى هدأة الليل و لواعجه و أشواقه فتحت الأوراق . أمى تغط بجوارى . تتابع الطرق عنيفا على الباب فجعله ينبعج . فتحت ، فى فراغ الباب كهل بثياب من قصب ، و عمامة من حرير و نعل من جلد الثعبان. ذكرتنى رائحته بزهر الصبار . اندفع الى الداخل فرأى أمى نائمة , لكن الخوف هزم الخجل, قال يتضرع : -أجرنى من الخليفة.
قلت : - عرفتك من كتاب ألف ليلة و ليلة.
أيقظت أمى لتعد الطعام و تباهيت : - هذا صديقى الربيع بن يونس حاجب أمير المؤمنين.
حدق فى الغرفة . وقعت عيناه على الحاسوب المغطى . كشفه بلا استئذان و دخل غرفة المحادثة.
كتب كثيرا و كان يأكل , ثم شربنا الشاى و غسلنا أيدينا و هتفت : - سيدى أنت فى دارك عينى زاد , و الأخرى ماء , فقط أخبرنى لماذا غضب عليك مولانا ؟
: - حبا كرامة لكن الوقت ضيق .
بكيت بدمع هتون و شرعت أنشد :
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا و عند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت و كنت أظنها لا تفرج

ما كدت انتهى من نظمى و انشادى حتى امتلأ البيت بجنود الربيع و جنود الخليفة المدججين!
صرخت أمى و جاوبتها نساء الشارع , و ارتفع الغبار و قعقع السلاح و سقط القتلى و الجرحى ,
ووجدت أمام الباحة عشرات من مندوبى وكالات الأنباء و الفضائيات, أحاطوا بى يستأذنوننى فى بدء
البث المباشر.

إيمان السعيد
29-04-2006, 10:34 PM
سمير المنزلاوى

هلا وغلا

ابن بلدى

قلم ادبى رائع

دمت بود ونقاء

نــــ غ ــــم

أحمد على
07-05-2006, 05:32 PM
قصة رائع

بروعة القلم الراقى

تقبل خالص تحياتى

فهد الدباسي
23-09-2006, 10:52 PM
سمير المنزلاوي


حضورٌ جميل


و قصةٌ رائعة كما اعتدنا منك


تحياتي

مزون المحمد
11-03-2007, 01:57 AM
سمير المنزلاوي

ألف شكر لروعة حضورك

لاهنت

محمد الفرحان
22-02-2008, 08:10 AM
.

.

الف شكر لك اخي على هذه

القصة الرائعة ولاعدمنا

حضورك

لك مني فائق التقدير
والاحترام