سالم سيف
31-10-2006, 10:59 AM
كونفوشيوس
( 551 ق.م – 479 ق.م )
لم ابتعد إلا قليلا عن ( لاوتسي ) حتى صادفت ( كونفوشيوس ) وهو يتوكأ على عصاه وحوله من يحاول أن يحفظ ما يتلفظ به من كلمات عن مسيرة هذه الحياة ومن شعرٍ لا يجانب الحكمة والعظة ، و قد ذكَّرتني طريقته في التعليم بطريقة ( سقراط ) التي تعتمد المشافهة حيث لا يلجأ إلى الكتابـة ، حاولت أن أصغي بكل انتباه إلى الصوت الواهي لهذا الذي يكاد يقارب السبعين من عمره ، سمعته يقول :
• الرجل الذي يعشق الحق أفضل من الرجل الذي يعرف الحق ، وذلك الذي يجد سعادته في الوصول للحق أفضل ممن يعشق الحق .
• إذا وجدت شخصا يسـتحق أن تتحدث معه ولم تخاطبــه فإنك تكون قد افتقدته ، وإذا وجدت شخصا لا يستحق أن تتحدث معه وخاطبته فإنك تكون قد أضعت كلامك سدى ، و الرجل العاقل هو من لا يفتقد الرجال و لا يضيع كلامه سدى .
سأله أحد تلاميذه : " ما حكمك على شخص يحبه كل أفراد القرية ؟ "
فأجاب : " ليس هذا بكاف للحكم عليه "
وسأله مرة أخرى عن رأيه في شخص يكرهه كل أفراد القرية فأجاب : " ليس هذا بكاف للحكم عليه "
ثم أضاف : " إن الشخص الفاضل هو من يحبه الصالحون من أفراد القرية و يكرهه منهم الطالحون "
ثم قال متابعاً حديثه :
• " إن الإنسان هو الذي يجعل الصدق عظيما ، وليس الصدق هو الذي يجعل الإنسان عظيما ."
• " إن الرجل العاقل لا يمدح الناس على أساس أقوالهم ( بل على أساس أفعالهم ) ، و لا ينكر الحقيقة إذا كانت صادرة عن شخص لا يرتاح إليه ، إذ الحقيقة جميلة أيا كان مصدرها "
وتابع :
• " إذا فهم الإنسان طبيعة الصفات الأخلاقية فإنه سيفهم كيف ينظم سلوكه الفردي والعادي ،
و إذا فهم كيف ينظم سلوكه الفردي فإنه سيفهم كيف يحكم الناس ،
و إذا فهم كيف يحكم الناس فإنه سيفهم كيف يحكم الأمم والامبرطوريات " .
• " إن الحق المطلق غير قابل للتحطيم
و لما كان غير قابل للتحطيم فهو خالد
و لما كان خالدا فهو موجود بذاته
و لما كان موجودا بذاته فهو لانهائي
و لما كان لانهائيا فهو واسع و عميق
و لما كان واسعا وعميقا فهو متعال و روحي "
لاحظتُ أن ( كونفوشيوس ) استخدم في كلامه نوعا من القياس يسـمى ( القياس المتتابع ) ، و أتضح لي حينذاك أن (أرسطو) ليس هو أول مفكر استخدمه ، ويقوم هذا القياس على عدة أقيسة متتابعة يتخذ كل منها مقدمته من النتيجة التي انتهى إليها القياس السابق .
و سأله أحد تلاميذه : " ما قولك في المبدأ القائل بأن الإساءة يجب أن تجزي بالإحسان ؟ "
أجاب بحَّدة لم يألفها تلاميذه عنه : " وبأي شيء تجزئ الإحسـان ؟ لتكن العدالة جزاء الإساءة ، وليكن الإحسان جزاء الإحسان " .
وسأله تلميذه ( جونج – جونج ) عن الفضيلة الكاملة ،
فكان جوابه : " الفضيلة الكاملة ألا تفعل بغيرك ما لا تحب أن يُفعل بك "
و سأله ( تزه – لو ) : " من هو الرجل الأعلى ؟ "
فقال : " هو من تجتمع فيه الفضائل الثلاث : الذكاء و الشجاعة وحب الخير "
و أضاف :
" الرجل الأعلى يخشى ألا يصل إلى الحقيقة ،
وهو لا يخشى أن يصيبه الفقر ،
وهو واسع الفكر غير متشيع إلى فئة ..
وهو يحـرص على ألا يكون فيما يقـوله شئ غير صحيح ،
فإذا غلبت الصفات الجسمية على ثقافته و تهذيبه كان جلفا ،
وإذا غلبت الثقافة و التهذيب على الصفات الجسمية تمثلت فيه أخلاق الكتبة ،
أما إذا تساوت صفات الجسم والثقافة والتهذيب وامتزجت فيه هذه بتلك كان لنا منه الرجل الكامل الفضيلة ، فالذكاء هو الذهن الذي يضع قدميه على الأرض ، وقوام الأخلاق الصالحة هو الإخلاص ، وليس الإخلاص الكامل وحده هو الذي يميز الرجل الأعلى ، إنه يعمل قبل أن يتكلم ، يتكلم بعدئذ وفق ما عمل، ولدينا في فن الرماية ما يشبه طريقة الرجل الأعلى ، ذلك أن الرامي إذا لم يصب مركز الهدف رجع إلى نفسه ليبحث فيها عن سبب عجزه . "
قلت له : زدنا أيها الحكيم .
قال :
• " إن الذي يبحث عنه الرجل الأعلى هو ما في نفسه ، أما الرجـل المنحط فيبحث عما في غيره ،والرجل الأعلى يحزنه نقص كفايته و لا يحزنه ألا يعرفه الناس ، ولكنه مع ذلك يكره أن يفكر في ألا يذكر اسمه بعد موته ، وهو متواضع في حديثه و لكنه متفوق في أعماله .. قَلَّ أن يتكلم فإذا تكلم لم يشك قط أنه سيصيب هدفه ، والشئ الذي لا يداني فيه الرجل الأعلى هو عمله الذي لا يستطيع غيره من الناس أن يراه ، وهو معتدل في قوله و فعله ، و الرجل الأعلى يلتزم الطريق الوسط في كل شئ "
يشير(كونفوشيوس) بوضوح إلى ( الوسط الذهبي ) مقولة ( سقراط ) اليوناني رغم بعد المسافة فيما بينهما .
استمر متابعا حديثه :
" إن الرجل الأعلى لا يغضبه أن يسمو غيره من الناس ، فإذا رأى أفاضل الناس فكر في أن يكونمثلهم ، وإذا رأى سفلة الناس عاد إلى نفسه يتقصى حقيقة أمره ، ذلك أنه قلما توجد أخطاء لا نشترك فيها مع جيراننا ، وهو لا يبالي أن يفتري عليه الناس أو يسلقوه بألسنة حداد ، مجامل بشوش لجميع الناس ، ولكنه لا يكيل المدح جزافا ، لا يحقر من هم أقل منه ، و لا يسعى لكسب رضا من هم أعلى منه ، وهو جاد في سلوكه وتصرفاته ، لأن الناس لا يوقرون من لا يلتزم الوقار في تصرفاته معهم ، متريث في أقواله ، حازم في سلوكه ، يصدر في أعماله عن قلبه ، غير متعجل بلسانه ، ولا مولع بالإجابات البارعة ، وهو جاد لأن لديه عملا يحرص على أدائه ، وهذا سر مهابته غير المسكتة ، وهو بشوش لطيف حتى مع أقرب الناس إليه وألصقهم به ، ولكنه يصون نفسه عن التبذل مع الناس جميعا حتى مع ابنه "
" والرجل الأعلى يتحرك بحيث تكون حركاته في جميع الأجيال طريقا عاما ، ويكون سلوكه بحيث تتخذه جميع الأجيال قانونا عاما، ويتكلم بحيث تكون ألفاظه في جميع الأجيال مقاييس عامة لقيم الألفاظ "
ثم التفت إلى أحد تلاميذه ( تزه – كونج ) سائلا : " أظنك يا تزه تعتقد أني من أولئك الذين يحفظون أشياء كثيرة ويستبقونها في ذاكرتهم ؟ "
فأجابه ( تزه – كونج ) :" نعم أظن ذلك ، ولكني قد أكون مخطئا في ظني ! "
فرد عليه قائلا : " لا .. إني أبحث عن الوحدة ، الوحدة الشاملة " .
و ما أن انتهى من درسه حتى سألته عن قصته في طريق هذه الحياة و كيف سعى فيه وما هي نصيحته لي و أنا أحاول أن أتلمس الحكمة من منابعها ؟
تأملني طويلا ولم يستعجل الإجابة ..
فقلت : لعله يسترجع خطواته في هذا الطريق كيف كان ، وكيف أصبح ؟
أو لعله يسترجع أسئلتي السريعة و التي ربما لم يعتـد عليها بهذا الطرح المتلاحق ..
إلا أن فترة صمته لم تطل فقال :
لقد كنت في الخامسة عشرة من عمري مكبا عل العلم ،
وفي الثلاثين وقفت ثابتا لا أتزعزع ،
وفي سن الأربعين زالت عني كل شكوكي ،
وفي الخمسين من عمري عرفت أوامر السماء ،
وفي الستين كانت أذني عضوا طيعا لتلك الحقيقة ،
وفي السبعين كان في وسعي أن أطيع ما يهواه قلبي دون أن يؤدي بي ذلك إلى تنكب طريق
الصواب والعدل .
ثم قال :
لا يقلقني في حياتي إلا الأمور الآتية : أن أنسى تقويم أخلاقي وسلوكي ، وأن أهمل دراساتي ، وأن أخفق في إتباع الطريق المستقيم الذي عرفته ورأيته ، و أن أعجز عن تصويب أخطائي ، إن الذي لا يصلح خطأه وقد عرفه ، إنما يرتكب خطأ جديدا
إليك نصيحتي : عليك بالألفة .. فعندما تسود الألفة بين الزوج والأولاد والزوجة فما أشبه المنزل بربابة و عود قد تآلفت أنغامهما ، وعندما يعيش الأخـوة في تآلف وسـلام فحينئذ يظل المنزل إلى الأبد في وحدة و انسجام ، فإذا حسنت أخلاق أفراد الأسرة و معاملاتهم حسنت أخلاق المجتمع ، لأن المجتمع ليس إلا امتداد للأسرة ، ولأننا " إذا علَّمنا كل أسرة كيف تتخلق فإن المجتمع كله يتعلم كيف يتخلق ، و إذا تعودت كل أسرة على العطف والشفقة تعود المجتمع كله على الشفقة و العطف ، وإذا عملت كل أمة على إصلاح حالها فإن الانسجام والوئام سيسودان المجتمع الإنساني بأسره .
بالقرب من شجرة على قارعة الطريق تركت ( كونفوشيوس ) يســتريح قليلا ، وقبل أن ابتعد عنه جلست مع بعض تلاميذه ، و اطلعت على كتبه الخمسة ( كتاب الأغاني و الشـعر ، كتاب التاريخ، كتاب التغييرات و الحوليات ، كتاب الربيع والخريف ، كتاب الطقوس أو التقاليد ) ، وبعض ما ألفه تلاميذه عنه ، و يمكننا تلخيص تعاليم ( كونفوشيوس ) التي ملأت عشرات المجلدات ومئات الكتب في كلمة واحدة ألا وهي (الإنسانية) ، فالفضيلة هي أن تحب الناس ، و الحكمة هي أن تفهمهم ، وإذا كانت الأسرة هي صورة المجتمع ، فإن الجنس البشري كله يؤلف أسرة واحدة ، فما بين البحار الأربعة جميع الناس أخوة .
مع خالص تحياتي.
المراجع
- ول ديورانت ، قصة الحضارة ، الجزء الرابع ، القاهرة ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، ط 5 .
- أحمد محمد الشنواني ، كتب غيرت الفكر الإنساني ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1990 .
- السيد أبو ضيف المدني ، كنوز الحكمة ، القاهرة ، دار المعارف ، ط 2 .
( 551 ق.م – 479 ق.م )
لم ابتعد إلا قليلا عن ( لاوتسي ) حتى صادفت ( كونفوشيوس ) وهو يتوكأ على عصاه وحوله من يحاول أن يحفظ ما يتلفظ به من كلمات عن مسيرة هذه الحياة ومن شعرٍ لا يجانب الحكمة والعظة ، و قد ذكَّرتني طريقته في التعليم بطريقة ( سقراط ) التي تعتمد المشافهة حيث لا يلجأ إلى الكتابـة ، حاولت أن أصغي بكل انتباه إلى الصوت الواهي لهذا الذي يكاد يقارب السبعين من عمره ، سمعته يقول :
• الرجل الذي يعشق الحق أفضل من الرجل الذي يعرف الحق ، وذلك الذي يجد سعادته في الوصول للحق أفضل ممن يعشق الحق .
• إذا وجدت شخصا يسـتحق أن تتحدث معه ولم تخاطبــه فإنك تكون قد افتقدته ، وإذا وجدت شخصا لا يستحق أن تتحدث معه وخاطبته فإنك تكون قد أضعت كلامك سدى ، و الرجل العاقل هو من لا يفتقد الرجال و لا يضيع كلامه سدى .
سأله أحد تلاميذه : " ما حكمك على شخص يحبه كل أفراد القرية ؟ "
فأجاب : " ليس هذا بكاف للحكم عليه "
وسأله مرة أخرى عن رأيه في شخص يكرهه كل أفراد القرية فأجاب : " ليس هذا بكاف للحكم عليه "
ثم أضاف : " إن الشخص الفاضل هو من يحبه الصالحون من أفراد القرية و يكرهه منهم الطالحون "
ثم قال متابعاً حديثه :
• " إن الإنسان هو الذي يجعل الصدق عظيما ، وليس الصدق هو الذي يجعل الإنسان عظيما ."
• " إن الرجل العاقل لا يمدح الناس على أساس أقوالهم ( بل على أساس أفعالهم ) ، و لا ينكر الحقيقة إذا كانت صادرة عن شخص لا يرتاح إليه ، إذ الحقيقة جميلة أيا كان مصدرها "
وتابع :
• " إذا فهم الإنسان طبيعة الصفات الأخلاقية فإنه سيفهم كيف ينظم سلوكه الفردي والعادي ،
و إذا فهم كيف ينظم سلوكه الفردي فإنه سيفهم كيف يحكم الناس ،
و إذا فهم كيف يحكم الناس فإنه سيفهم كيف يحكم الأمم والامبرطوريات " .
• " إن الحق المطلق غير قابل للتحطيم
و لما كان غير قابل للتحطيم فهو خالد
و لما كان خالدا فهو موجود بذاته
و لما كان موجودا بذاته فهو لانهائي
و لما كان لانهائيا فهو واسع و عميق
و لما كان واسعا وعميقا فهو متعال و روحي "
لاحظتُ أن ( كونفوشيوس ) استخدم في كلامه نوعا من القياس يسـمى ( القياس المتتابع ) ، و أتضح لي حينذاك أن (أرسطو) ليس هو أول مفكر استخدمه ، ويقوم هذا القياس على عدة أقيسة متتابعة يتخذ كل منها مقدمته من النتيجة التي انتهى إليها القياس السابق .
و سأله أحد تلاميذه : " ما قولك في المبدأ القائل بأن الإساءة يجب أن تجزي بالإحسان ؟ "
أجاب بحَّدة لم يألفها تلاميذه عنه : " وبأي شيء تجزئ الإحسـان ؟ لتكن العدالة جزاء الإساءة ، وليكن الإحسان جزاء الإحسان " .
وسأله تلميذه ( جونج – جونج ) عن الفضيلة الكاملة ،
فكان جوابه : " الفضيلة الكاملة ألا تفعل بغيرك ما لا تحب أن يُفعل بك "
و سأله ( تزه – لو ) : " من هو الرجل الأعلى ؟ "
فقال : " هو من تجتمع فيه الفضائل الثلاث : الذكاء و الشجاعة وحب الخير "
و أضاف :
" الرجل الأعلى يخشى ألا يصل إلى الحقيقة ،
وهو لا يخشى أن يصيبه الفقر ،
وهو واسع الفكر غير متشيع إلى فئة ..
وهو يحـرص على ألا يكون فيما يقـوله شئ غير صحيح ،
فإذا غلبت الصفات الجسمية على ثقافته و تهذيبه كان جلفا ،
وإذا غلبت الثقافة و التهذيب على الصفات الجسمية تمثلت فيه أخلاق الكتبة ،
أما إذا تساوت صفات الجسم والثقافة والتهذيب وامتزجت فيه هذه بتلك كان لنا منه الرجل الكامل الفضيلة ، فالذكاء هو الذهن الذي يضع قدميه على الأرض ، وقوام الأخلاق الصالحة هو الإخلاص ، وليس الإخلاص الكامل وحده هو الذي يميز الرجل الأعلى ، إنه يعمل قبل أن يتكلم ، يتكلم بعدئذ وفق ما عمل، ولدينا في فن الرماية ما يشبه طريقة الرجل الأعلى ، ذلك أن الرامي إذا لم يصب مركز الهدف رجع إلى نفسه ليبحث فيها عن سبب عجزه . "
قلت له : زدنا أيها الحكيم .
قال :
• " إن الذي يبحث عنه الرجل الأعلى هو ما في نفسه ، أما الرجـل المنحط فيبحث عما في غيره ،والرجل الأعلى يحزنه نقص كفايته و لا يحزنه ألا يعرفه الناس ، ولكنه مع ذلك يكره أن يفكر في ألا يذكر اسمه بعد موته ، وهو متواضع في حديثه و لكنه متفوق في أعماله .. قَلَّ أن يتكلم فإذا تكلم لم يشك قط أنه سيصيب هدفه ، والشئ الذي لا يداني فيه الرجل الأعلى هو عمله الذي لا يستطيع غيره من الناس أن يراه ، وهو معتدل في قوله و فعله ، و الرجل الأعلى يلتزم الطريق الوسط في كل شئ "
يشير(كونفوشيوس) بوضوح إلى ( الوسط الذهبي ) مقولة ( سقراط ) اليوناني رغم بعد المسافة فيما بينهما .
استمر متابعا حديثه :
" إن الرجل الأعلى لا يغضبه أن يسمو غيره من الناس ، فإذا رأى أفاضل الناس فكر في أن يكونمثلهم ، وإذا رأى سفلة الناس عاد إلى نفسه يتقصى حقيقة أمره ، ذلك أنه قلما توجد أخطاء لا نشترك فيها مع جيراننا ، وهو لا يبالي أن يفتري عليه الناس أو يسلقوه بألسنة حداد ، مجامل بشوش لجميع الناس ، ولكنه لا يكيل المدح جزافا ، لا يحقر من هم أقل منه ، و لا يسعى لكسب رضا من هم أعلى منه ، وهو جاد في سلوكه وتصرفاته ، لأن الناس لا يوقرون من لا يلتزم الوقار في تصرفاته معهم ، متريث في أقواله ، حازم في سلوكه ، يصدر في أعماله عن قلبه ، غير متعجل بلسانه ، ولا مولع بالإجابات البارعة ، وهو جاد لأن لديه عملا يحرص على أدائه ، وهذا سر مهابته غير المسكتة ، وهو بشوش لطيف حتى مع أقرب الناس إليه وألصقهم به ، ولكنه يصون نفسه عن التبذل مع الناس جميعا حتى مع ابنه "
" والرجل الأعلى يتحرك بحيث تكون حركاته في جميع الأجيال طريقا عاما ، ويكون سلوكه بحيث تتخذه جميع الأجيال قانونا عاما، ويتكلم بحيث تكون ألفاظه في جميع الأجيال مقاييس عامة لقيم الألفاظ "
ثم التفت إلى أحد تلاميذه ( تزه – كونج ) سائلا : " أظنك يا تزه تعتقد أني من أولئك الذين يحفظون أشياء كثيرة ويستبقونها في ذاكرتهم ؟ "
فأجابه ( تزه – كونج ) :" نعم أظن ذلك ، ولكني قد أكون مخطئا في ظني ! "
فرد عليه قائلا : " لا .. إني أبحث عن الوحدة ، الوحدة الشاملة " .
و ما أن انتهى من درسه حتى سألته عن قصته في طريق هذه الحياة و كيف سعى فيه وما هي نصيحته لي و أنا أحاول أن أتلمس الحكمة من منابعها ؟
تأملني طويلا ولم يستعجل الإجابة ..
فقلت : لعله يسترجع خطواته في هذا الطريق كيف كان ، وكيف أصبح ؟
أو لعله يسترجع أسئلتي السريعة و التي ربما لم يعتـد عليها بهذا الطرح المتلاحق ..
إلا أن فترة صمته لم تطل فقال :
لقد كنت في الخامسة عشرة من عمري مكبا عل العلم ،
وفي الثلاثين وقفت ثابتا لا أتزعزع ،
وفي سن الأربعين زالت عني كل شكوكي ،
وفي الخمسين من عمري عرفت أوامر السماء ،
وفي الستين كانت أذني عضوا طيعا لتلك الحقيقة ،
وفي السبعين كان في وسعي أن أطيع ما يهواه قلبي دون أن يؤدي بي ذلك إلى تنكب طريق
الصواب والعدل .
ثم قال :
لا يقلقني في حياتي إلا الأمور الآتية : أن أنسى تقويم أخلاقي وسلوكي ، وأن أهمل دراساتي ، وأن أخفق في إتباع الطريق المستقيم الذي عرفته ورأيته ، و أن أعجز عن تصويب أخطائي ، إن الذي لا يصلح خطأه وقد عرفه ، إنما يرتكب خطأ جديدا
إليك نصيحتي : عليك بالألفة .. فعندما تسود الألفة بين الزوج والأولاد والزوجة فما أشبه المنزل بربابة و عود قد تآلفت أنغامهما ، وعندما يعيش الأخـوة في تآلف وسـلام فحينئذ يظل المنزل إلى الأبد في وحدة و انسجام ، فإذا حسنت أخلاق أفراد الأسرة و معاملاتهم حسنت أخلاق المجتمع ، لأن المجتمع ليس إلا امتداد للأسرة ، ولأننا " إذا علَّمنا كل أسرة كيف تتخلق فإن المجتمع كله يتعلم كيف يتخلق ، و إذا تعودت كل أسرة على العطف والشفقة تعود المجتمع كله على الشفقة و العطف ، وإذا عملت كل أمة على إصلاح حالها فإن الانسجام والوئام سيسودان المجتمع الإنساني بأسره .
بالقرب من شجرة على قارعة الطريق تركت ( كونفوشيوس ) يســتريح قليلا ، وقبل أن ابتعد عنه جلست مع بعض تلاميذه ، و اطلعت على كتبه الخمسة ( كتاب الأغاني و الشـعر ، كتاب التاريخ، كتاب التغييرات و الحوليات ، كتاب الربيع والخريف ، كتاب الطقوس أو التقاليد ) ، وبعض ما ألفه تلاميذه عنه ، و يمكننا تلخيص تعاليم ( كونفوشيوس ) التي ملأت عشرات المجلدات ومئات الكتب في كلمة واحدة ألا وهي (الإنسانية) ، فالفضيلة هي أن تحب الناس ، و الحكمة هي أن تفهمهم ، وإذا كانت الأسرة هي صورة المجتمع ، فإن الجنس البشري كله يؤلف أسرة واحدة ، فما بين البحار الأربعة جميع الناس أخوة .
مع خالص تحياتي.
المراجع
- ول ديورانت ، قصة الحضارة ، الجزء الرابع ، القاهرة ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، ط 5 .
- أحمد محمد الشنواني ، كتب غيرت الفكر الإنساني ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1990 .
- السيد أبو ضيف المدني ، كنوز الحكمة ، القاهرة ، دار المعارف ، ط 2 .