قطرات من ندى
17-12-2006, 12:15 PM
راقني اليوم أن افد عليكم و معي صيدٌ لطيف، قد عدتُ به من رحلتي عبر السطور .
انتقيتُ قصيدةً رائعة من جميل ما قال :
الشاعر إيليا أبو ماضي،
و أحببت أن أردفها بتحليل بسيط يشمل الأبيات ،
متمنية دوماً أن يكون للكلمة الجميلة،
بُــعْـدٌ آخر،
يتجاوز اللفظ و تنسيقه ،
إلى المعنى و فحواه،
و الفكرة و جدواها،
و لمسة الذوق الرفيع التي نخرج بها بعد القراءة.
((( الكمنجة المحطمة )))
شـاهـدتُـها كالـمـيّـتِ في أكْـفـانِـهِ
فـوَجِـمْـتُ إلا عَـبْـرةً أُذْرِيـها
مَـهْـجُـورَةً كـسـفـيـنَـةٍ مـنْـبُـــوذَةٍ
في الـشَّــــطِّ غـابَ وراءَهُ مـاضـــيـها
نَـسَـجَـــتْ عليها الـعـنـكـبُـوتُ خُـيُـوطَـها
و كـسـا الـغُـبـارُ غِـلالَـةً تَـكْـسُـــوهـا
لا حِـسَّ في أوتارها،لا شَـــــوْقَ في
أضلاعها،لا حُـسْـنَ في باقـيـها
إنَّ التي نـقـلـتْ أحـاديثَـــــ الهَـوَى
لم يبقَ غيرَ حكايةٍ تَــرْوِيها
فارزح بحزنكَ يا حزينُ فإنها
لا تنشرُ الشَّـــــكْـوى و لا تـطْــــوِيها
و إذا انقضى عهْدُ التعلُّـلِ بالـمُـنَى
فالنفسُ يُـشْـقِـيـها الذي يُـرْدِيـها
***
للهِ عـهْـدٌ مرَّ لي في ظلِّـها
أبْــكي عليها و تارةً أبْــكـيها
كانت كأنَّ ضُـلُـوعَـها مَـوْصُـولةٌ
بأضالـعي، و سـرائـري فيها
فإذا أنا مثل البنـفْـسـجة التي
ذَبُـلَـتْ فَـبَـاكَـرَها النَّـدى يُحْيِـيها
و لكم سمِـعْــتُ خَــفُـوقَ أجنحة الـمُــنـى
و حـفـيـفَـها في نغْـمَـةٍ تُـوحِــيــها
و رأيْــتَـنِـي في جنَّـةٍ رُوحِــيَّــةٍ
لا يَـرْتَــوي من حُــسْــنـها راءيها
سِــرُّ السَّــعَـادةِ في الــرُّؤى،إنَّ الرُّؤَى
لا كَــفٌّ تـُثـبـتـها،و لا تُلغيها
*****
عنوان هذا النص يشي بمحتواه ،
فالكمنجة تشير إلى النفس الشاعرة عند أبي ماضي،
و تحطمها يعني نضوب المعنى الشعري في نفسه،
فليس من الافتعال _إذن_أن تكون هذه القصيدة رثاءً لنفسه الشاعرة.
يرمز بها إلى تلك الوقفة التي خاب العقل عندها،
فلم يستطع أن يكشف له عن أسرار الوجود،
بعد أن أسلم له قياده،
و تخلص من الخضوع لما يمليه القلب،
الذي أضحتْ العودة إليه مستحيلة،
كأنما خفق خفقته الأخيرة،
و ثوى إلى الأبد .
أو بعبارةٍ أخرى: بعد أن تحول من الاتجاه الرومانسي إلى الاتجاه الواقعي.
و لكن تحوله هذا لم يكن أمراً هـيِّـناً،
و إنما نتيجة صراع حاد عنيف بين قوة القلب و الوجدان و قوة العقل و الفكر، وانتهى الصراع إلى حيرة واسعة كالفضاء الممتد،كما يبدو لمن يتأمل في قصيدته الشهيرة ( لستُ أدري ).
و ليس هناك منْ يزعم أن هذه الوقفة كانت طويلة في حياة الشاعر، لكن لا شك في أنها كانت صادقة في اللحظة التي رأى فيها الكمنجة أو النفس الشاعرة، و قد أضحتْ ميِّـتاً مُـدرجاً في أكفانه، أو سفينة منبوذة مهجورة،لا يذكر أحد ما كان لها من ماضٍ مجيدٍ في خوض البحار، و تـقـلُّـب الأسفار.
لقد ذبلتْ هذه الكمنجة،
أو النفس الشاعرة ،
و استحال جمالها ،و فقدتْ القدرة على الإحساس بما حولها،
و توقفتْ رعشاتُ الأشواق في داخلها، و هي التي كثيراً ما نقلتْ حكايات الهوى،ولم يبق لها غير حكايةٍ واحدةٍ ترويها ، تلك هي حكاية تحطمها و توقفها عن النبض العاطفي و الفيض الشعوري.
و يعود الشاعر إيليا أبو ماضي بحنينه إلى الأيام المزخرفة بالمنى في عهد القلب الرومانسي،الذي كان يرى في تعمية الواقع و ستره سعادةً تامة، و لذلك كان يغلفه بالرؤى و الأحلام،و كان يعيش من رؤاه و أحلامه في جنة روحية حافلة بألوان الجمال ، يتجدد فيها شوقه،و لا يرتوي منها ظمؤه،، لكن أنَّـى له أن يهرب من هذا الواقع _ الذي أطلعَه على الجانب القبيح من الحياة _إلى تلك الرؤى و الأحلام التي كانت تصنع له من الفقر روضا ضاحكا ، و تريق عليه صنوفا من الجمال لا تكاد تخطر على وجدان إنسان .
و الشاعر أبو ماضي _ شأنه شأن غيره من شعراء المهجر_ يعتقد بتعاقب القوى الإنسانية و عراكها لا بتعاونها و اتحادها ، فتارةً يسلم قياده إلى قوة القلب و الوجدان ،و تارةً ثانية يسلمه إلى النفس و يراها صورةً للكمال، و تارةً أخرى يرى العقل هو القائد و الدليل .
بيد أنه لابد من الاتحاد بين قوى الإنسان، فكلٌّ على حدة لا خير فيه،إذ من الضروري أن يشعر الإنسان و يتخيل و يتعقل معاً،و لابد أن يستغل قواه كاملةً.
و من تعاون هذه القوى لا من عراكها و تصادمها تتبلج قوة البصيرة أو الحدس السوي.
تمثل القصيدة الاتجاه الثالث الذي مر به الشاعر إيليا أبي ماضي بعد أن كان في الاتجاه التقليدي ثم الرومانسي .
هذا الاتجاه الواقعي ظهر في شعره حين زحف عليه العقل و أخذتْ الاشياء تفقد تلاوينها الحالمة و رؤاها الخلابة، فوقع شاعرنا في مسقط ضوء واضح من المفهومات الاجتماعية.
هذا الاتجاه الواقعي لم يكن خاضعا عند الشاعر أبي ماضي لسيطرةٍ ذهنية، بقدر ما كانت حدة العاطفة تملك زمامه و تتحكم في توجيهه.
يتجلى في القصيدة القدرة الدرامية التي يمتلكها الشاعر و هي إحدى ميزاته الكبرى ، فنراه يقف أمام الكمنجة وقفةً غنائية،يدور فيها حول ذاته في آلامها و أفراحها.
و في هذا إبراز للمعنى الدقيق للعنصر التلقائي الذاتي للعاطفة.
الوحدة العضوية في القصيدة نتيجة حتمية لما فيها من موهبة الشعر للشاعر ،و البناء القصصي في الأبيات ،و القدرة الدرامية للشاعر .
الصور الجزئية في القصيدة اهتم الشاعر في ثناياها بتصوير معاني العودة و الانتكاس و التراجع،دون معاني التقدم و الانطلاق .
فالشاعر مهتم بجانب التراجع في الحياة ، و لذلك كانت صور الحطام و موت العناصر الحية تستأثر بعنايته، و تستحوذ على وجدانه،مما يكشف عن عمق إحساسه نحو الجمال الزائل،و ما كان لمشكلة الموت من أثر بالغ في أغوار نفسه،و بذلك نلحظ أن تفاؤله في كثير من قصائده لم يكن ذلك التفاؤل القوي الذي يحلل الواقع إلى عناصره،و يواجهه بعزيمةٍ نفسية قادرة .
انتقيتُ قصيدةً رائعة من جميل ما قال :
الشاعر إيليا أبو ماضي،
و أحببت أن أردفها بتحليل بسيط يشمل الأبيات ،
متمنية دوماً أن يكون للكلمة الجميلة،
بُــعْـدٌ آخر،
يتجاوز اللفظ و تنسيقه ،
إلى المعنى و فحواه،
و الفكرة و جدواها،
و لمسة الذوق الرفيع التي نخرج بها بعد القراءة.
((( الكمنجة المحطمة )))
شـاهـدتُـها كالـمـيّـتِ في أكْـفـانِـهِ
فـوَجِـمْـتُ إلا عَـبْـرةً أُذْرِيـها
مَـهْـجُـورَةً كـسـفـيـنَـةٍ مـنْـبُـــوذَةٍ
في الـشَّــــطِّ غـابَ وراءَهُ مـاضـــيـها
نَـسَـجَـــتْ عليها الـعـنـكـبُـوتُ خُـيُـوطَـها
و كـسـا الـغُـبـارُ غِـلالَـةً تَـكْـسُـــوهـا
لا حِـسَّ في أوتارها،لا شَـــــوْقَ في
أضلاعها،لا حُـسْـنَ في باقـيـها
إنَّ التي نـقـلـتْ أحـاديثَـــــ الهَـوَى
لم يبقَ غيرَ حكايةٍ تَــرْوِيها
فارزح بحزنكَ يا حزينُ فإنها
لا تنشرُ الشَّـــــكْـوى و لا تـطْــــوِيها
و إذا انقضى عهْدُ التعلُّـلِ بالـمُـنَى
فالنفسُ يُـشْـقِـيـها الذي يُـرْدِيـها
***
للهِ عـهْـدٌ مرَّ لي في ظلِّـها
أبْــكي عليها و تارةً أبْــكـيها
كانت كأنَّ ضُـلُـوعَـها مَـوْصُـولةٌ
بأضالـعي، و سـرائـري فيها
فإذا أنا مثل البنـفْـسـجة التي
ذَبُـلَـتْ فَـبَـاكَـرَها النَّـدى يُحْيِـيها
و لكم سمِـعْــتُ خَــفُـوقَ أجنحة الـمُــنـى
و حـفـيـفَـها في نغْـمَـةٍ تُـوحِــيــها
و رأيْــتَـنِـي في جنَّـةٍ رُوحِــيَّــةٍ
لا يَـرْتَــوي من حُــسْــنـها راءيها
سِــرُّ السَّــعَـادةِ في الــرُّؤى،إنَّ الرُّؤَى
لا كَــفٌّ تـُثـبـتـها،و لا تُلغيها
*****
عنوان هذا النص يشي بمحتواه ،
فالكمنجة تشير إلى النفس الشاعرة عند أبي ماضي،
و تحطمها يعني نضوب المعنى الشعري في نفسه،
فليس من الافتعال _إذن_أن تكون هذه القصيدة رثاءً لنفسه الشاعرة.
يرمز بها إلى تلك الوقفة التي خاب العقل عندها،
فلم يستطع أن يكشف له عن أسرار الوجود،
بعد أن أسلم له قياده،
و تخلص من الخضوع لما يمليه القلب،
الذي أضحتْ العودة إليه مستحيلة،
كأنما خفق خفقته الأخيرة،
و ثوى إلى الأبد .
أو بعبارةٍ أخرى: بعد أن تحول من الاتجاه الرومانسي إلى الاتجاه الواقعي.
و لكن تحوله هذا لم يكن أمراً هـيِّـناً،
و إنما نتيجة صراع حاد عنيف بين قوة القلب و الوجدان و قوة العقل و الفكر، وانتهى الصراع إلى حيرة واسعة كالفضاء الممتد،كما يبدو لمن يتأمل في قصيدته الشهيرة ( لستُ أدري ).
و ليس هناك منْ يزعم أن هذه الوقفة كانت طويلة في حياة الشاعر، لكن لا شك في أنها كانت صادقة في اللحظة التي رأى فيها الكمنجة أو النفس الشاعرة، و قد أضحتْ ميِّـتاً مُـدرجاً في أكفانه، أو سفينة منبوذة مهجورة،لا يذكر أحد ما كان لها من ماضٍ مجيدٍ في خوض البحار، و تـقـلُّـب الأسفار.
لقد ذبلتْ هذه الكمنجة،
أو النفس الشاعرة ،
و استحال جمالها ،و فقدتْ القدرة على الإحساس بما حولها،
و توقفتْ رعشاتُ الأشواق في داخلها، و هي التي كثيراً ما نقلتْ حكايات الهوى،ولم يبق لها غير حكايةٍ واحدةٍ ترويها ، تلك هي حكاية تحطمها و توقفها عن النبض العاطفي و الفيض الشعوري.
و يعود الشاعر إيليا أبو ماضي بحنينه إلى الأيام المزخرفة بالمنى في عهد القلب الرومانسي،الذي كان يرى في تعمية الواقع و ستره سعادةً تامة، و لذلك كان يغلفه بالرؤى و الأحلام،و كان يعيش من رؤاه و أحلامه في جنة روحية حافلة بألوان الجمال ، يتجدد فيها شوقه،و لا يرتوي منها ظمؤه،، لكن أنَّـى له أن يهرب من هذا الواقع _ الذي أطلعَه على الجانب القبيح من الحياة _إلى تلك الرؤى و الأحلام التي كانت تصنع له من الفقر روضا ضاحكا ، و تريق عليه صنوفا من الجمال لا تكاد تخطر على وجدان إنسان .
و الشاعر أبو ماضي _ شأنه شأن غيره من شعراء المهجر_ يعتقد بتعاقب القوى الإنسانية و عراكها لا بتعاونها و اتحادها ، فتارةً يسلم قياده إلى قوة القلب و الوجدان ،و تارةً ثانية يسلمه إلى النفس و يراها صورةً للكمال، و تارةً أخرى يرى العقل هو القائد و الدليل .
بيد أنه لابد من الاتحاد بين قوى الإنسان، فكلٌّ على حدة لا خير فيه،إذ من الضروري أن يشعر الإنسان و يتخيل و يتعقل معاً،و لابد أن يستغل قواه كاملةً.
و من تعاون هذه القوى لا من عراكها و تصادمها تتبلج قوة البصيرة أو الحدس السوي.
تمثل القصيدة الاتجاه الثالث الذي مر به الشاعر إيليا أبي ماضي بعد أن كان في الاتجاه التقليدي ثم الرومانسي .
هذا الاتجاه الواقعي ظهر في شعره حين زحف عليه العقل و أخذتْ الاشياء تفقد تلاوينها الحالمة و رؤاها الخلابة، فوقع شاعرنا في مسقط ضوء واضح من المفهومات الاجتماعية.
هذا الاتجاه الواقعي لم يكن خاضعا عند الشاعر أبي ماضي لسيطرةٍ ذهنية، بقدر ما كانت حدة العاطفة تملك زمامه و تتحكم في توجيهه.
يتجلى في القصيدة القدرة الدرامية التي يمتلكها الشاعر و هي إحدى ميزاته الكبرى ، فنراه يقف أمام الكمنجة وقفةً غنائية،يدور فيها حول ذاته في آلامها و أفراحها.
و في هذا إبراز للمعنى الدقيق للعنصر التلقائي الذاتي للعاطفة.
الوحدة العضوية في القصيدة نتيجة حتمية لما فيها من موهبة الشعر للشاعر ،و البناء القصصي في الأبيات ،و القدرة الدرامية للشاعر .
الصور الجزئية في القصيدة اهتم الشاعر في ثناياها بتصوير معاني العودة و الانتكاس و التراجع،دون معاني التقدم و الانطلاق .
فالشاعر مهتم بجانب التراجع في الحياة ، و لذلك كانت صور الحطام و موت العناصر الحية تستأثر بعنايته، و تستحوذ على وجدانه،مما يكشف عن عمق إحساسه نحو الجمال الزائل،و ما كان لمشكلة الموت من أثر بالغ في أغوار نفسه،و بذلك نلحظ أن تفاؤله في كثير من قصائده لم يكن ذلك التفاؤل القوي الذي يحلل الواقع إلى عناصره،و يواجهه بعزيمةٍ نفسية قادرة .