سالم سيف
14-02-2007, 01:05 PM
شيد الغداة مدائنك
شَيَّد الغداة مدائنك
بالقرب من فيزوف
ولا تقنع بما دون النجوم
وليضرم الحب العنيف
في قلبك النيران والفرح العميق .
جزء بل مقطع من قصيدة ( أباريق مهشمة ) لعبدالوهاب البياتي ، ذاك الشاعر الذي نشأ على ضفاف الفرات واحترق فيما بعد بنار البعد متنقلا بين الشرق والغرب، تحتضنه عاصمة ليتركها إلى أخرى تستقبله بأيد مفتوحة .
تعرفت علي الشعر الحر قبل سنوات طوال من خلال قراءتي لكتاب (عبدالوهاب البياتي والشـعر العراقي الحديث) ولست أدري لم طبعت بعض المقاطع في ذاكرتي بطابع عدم النسيان ، لازلت ورغم مرور السنين أتذكر بعض عناوين تلك القصائد : ( الملجأ العشرون – سوق القرية – الرحيل الأول ..) وهي من أولى قصائد الشعر الحر التي قرأتها ، ولا زلت أحفظ مقاطع منها أستعيدها في ذهني بين وقت وآخر .
اختلفت معه – رغم عدم لقائي به وجها لوجه وسبب الاختلاف ليس في مجال الشعر أو الأفكار أو الرؤى ، فله الحق كل الحق في أن يطرح ما يعن له من موضوعات شتى ولي الحق بعد ذلك أن الاعتراض على ما يقول ..
اختلافي معه في بعض مقاطـع قصـائده (التي قرأتها له) وكنت – والحق يقال – أحـسُّ بضيق شــديد و بألم عندما أتذكرها ، لم أكن أعـرف عنه شيئا عندما قرأت ذلك الكتاب ، كنت أيامها طالبَ مدرسةٍ ما زالت مداركه في هذا العالم محـدودة ، أصيب بإدمان القـراءة ، عندما يقرأ ، يقف عند الكلمات ويستفسر عن مغـزاها ، بعد البحث عرف سبب وجود هذا المفردات في بعض الأشعار التي يقرأها ، لقد كان (البياتي) يعبر عن أيديولوجية غرس فيها قلمه ليعبر عن معتقدات اقتنع بها رغم إنها تصدمنا ، حيث تجد صور ( الوجودية ) تتمثل في أشعاره ، لقد كان (يسارياً) إلى أبعد الحدود ، وهذا يفسِّر أشياء كثيرة في شعره ... رغـم اختلافنا العقائدي معه فإن ذلك لا يجعلنـا نُنكِرُ تلك الشاعرية الفيَّاضة والأحاسيس المرهفة ، وقوة الكلمة والصور الواضحة الجلية التي تبرز في قصائده ، ولا غرو فقد كان أحد مؤسسي الاتجاه الحداثي (مع بدر شاكر السياب ونازك الملائكة) في الشعر العربي ، وكانوا من أوائل الذين وقفوا خلـف رياح التغيير في شكل وهيكلية القصيدة العربية العموديـة ، فأخذت طابعا جديدا غير مـألوف من قبل ، هو إلى النثر أقرب منه إلى الشـعر ، اعتبره البعض تخلصا مما أسموه قيـودا تكبل الكلمة وتحجر على التعبير ، فتم تمويج الشكل والقافية والتخلص من بحور (الخليل) ومن تلك العـروض (مستفعلن فعول مفاعيل ..) مكتفين بوحدة التفعيلة ، والتزم البعض بالجرس الموسيقي الداخلي للقصيدة ، وتمادى بعضهم في هذا التحرر حتى أصبح الشعر الحر حرا بالمعنى الواسع للكلمة إذ أصبح كلمات مرصوصة بلا تفعيلات مخصوصة :
لا قافية
لا تفعيلة
لا موسيقى
كلمات لا معنى لها ولا طعم
كلمات توغلت في متاهات وأحراش الإبهام والغموض بل والابتذال ..
كلمات سوقية منافية للأدب السامي ، منافية للذوق والحس السليمين
أصبح الشعر الحر لدى بعضهم لا يعني إلا التحرر المطلق من قيود اللغة وقيود المعنى وبل وأصبح وسيلة التعدي على الذات الإلهية وعلى الدين .
ضع كلمة هنا وكلمة هناك وحاول قدر جهدك أن تكون الكلمات متنافرة ، غير متجانسة ، واجعل عباراتك غير مفهومة وغير واضحة وأضف إليها شيئا من الكلمات غير المفهومة ستكون حينئذ شاعرا تنشر لك الصحف ..
ليس المجال مجال (شعر حداثة) بقدر ما هو تداعي بعض الأفكار حول هذا الموضوع ، لو قرأنا (للبياتي) وهو من رواد
هذا الشعر لوجدنا في شعره شيئا مما ذكرته :
يقول (البياتي) :
• الله والأفق المنور والعبيد يتحسسون قيودهم .. ( تعالى الله عما يصفون )
• في الأصقاع الوثنية حيث الموسيقى والثورة والحب وحيث الله
فسيبقى صوتي قنديلا في باب الله
• ( يصف مدينة نيسابور ) :
كل الغزاة بصقوا في وجهها المجدور
وضاجعوها وهي في المخاض ألف ألف مرة
وهي في أسمالها تضاجع الملوك تفتح للطغاة ساقيها
• ويقول عن ( اللغة العربية ) :
اللغة الصلعاء كانت تصنع البيان والبديع فوق الباروكة
وترتدي الجناس والطباق في أروقة الملوك
وشعراء الكدية والخصيان في عواصم الشرق على البطون في الأقفاص يزحفون
لينمو القمل والطحلب في أشعارهم .
والأمثلة على كثرتها تصعب على الحصر نجدها هنا وهناك لدى شعراء الشعر الحر إلا من رحم ربي ، ولا أزعم إطلاقا إن كل الشعر الحديث أو الحداثي يتصف بهذه الصفات فهناك قصائد من الشعر الحـر تتسامى في أفكارها وكلماتها وطروحاتها أي تسامي .. وسوف نتناول هذا الموضوع بالدراسة مستقبلا - إن شاء الله – بشيء من التفصيل .
وعودا على بدء ... كما يقال :
يقول (البياتي) :
شَيَّد الغداة مدائنك
بالقرب من فيزوف
ولا تقنع بما دون النجوم
إنها دعوة تمتلئ بالتحدي ، بالطموح الذي يتجاوز النجوم علوا ورفعة ..
شَيَّد الغداة مدائنك
ليس مجرد كوخ صغير يتهاوى مع الرياح ، وليس مجرد بيت تحتجز جدرانه طموحات أصحابه لتتراوح بهم الأماني
إلى ما دون سقوفه ، بل دعوة بناء ( مدن ) وما تحمله هذه الكلمة من مضامين ورؤى وطموحات لا تحد ...
شَيَّد الغداة مدائنك
بالقرب من فيزوف
ابن مدنك بالقرب من ( فيزوف ) ذلك البركان (الخامد/الثائر) ، فمهما كانت أحلامك وطموحاتك بل مدنك قريبة من خطوط الخطر وعلى فوهات بركان مهما كان نوع هذا البركان أوكانت هذه الأخطار فإنها يجب أن تظل صغيرة ولو كانت بحجم (فيزوف) أو (فوجي)، فطموحاتك وإصرارك وتحديك يجب أن تكون أكبر منها ،وتعالى بطموحاتك وآمالك وأمانيك وأحلامك فوق ذرى النجوم ..
ولا تقنع بما دون النجوم
في مطالبك و كن على ثقة إنك قادر على تحقيقها ، أما إذا لم تصل إلى هذا المستوى وتضاءلت وتصاغرت وكانت أدنى من ذلك فلا يداخلك الشك إنها سوف تتحقق ، بل أنك حكمت عليها من البداية بالتعثر والفشل ، أما إذا كانت طموحاتك كبيرة وعزيمتك قوية فإن ذلك بمثابة ضوء يرشدك للوصول إليه .
وليضرم الحب العنيف
في قلبك النيران والفرح العميق
لا يكفى الطموح وحده إن لم يكن معززا بالحب .. وأي حب ؟
إنه ( الحب العنيف ) الذي وصفه الشاعر ممتزجا ( بالفرح العميق ) .
حب عنيف ... دافع مستمر لتحقيق الطموح .
فرح عميق ... بقرب الوصول من تحقيق الهدف .
طموح جموح وحب عنيف وفرح عميق تلك هي (الخلطة) المطلوبة لأجل المسير في طريق الحياة .
هذا ما فهمته من هذه الكلمات ....
مع خالص تحياتي
شَيَّد الغداة مدائنك
بالقرب من فيزوف
ولا تقنع بما دون النجوم
وليضرم الحب العنيف
في قلبك النيران والفرح العميق .
جزء بل مقطع من قصيدة ( أباريق مهشمة ) لعبدالوهاب البياتي ، ذاك الشاعر الذي نشأ على ضفاف الفرات واحترق فيما بعد بنار البعد متنقلا بين الشرق والغرب، تحتضنه عاصمة ليتركها إلى أخرى تستقبله بأيد مفتوحة .
تعرفت علي الشعر الحر قبل سنوات طوال من خلال قراءتي لكتاب (عبدالوهاب البياتي والشـعر العراقي الحديث) ولست أدري لم طبعت بعض المقاطع في ذاكرتي بطابع عدم النسيان ، لازلت ورغم مرور السنين أتذكر بعض عناوين تلك القصائد : ( الملجأ العشرون – سوق القرية – الرحيل الأول ..) وهي من أولى قصائد الشعر الحر التي قرأتها ، ولا زلت أحفظ مقاطع منها أستعيدها في ذهني بين وقت وآخر .
اختلفت معه – رغم عدم لقائي به وجها لوجه وسبب الاختلاف ليس في مجال الشعر أو الأفكار أو الرؤى ، فله الحق كل الحق في أن يطرح ما يعن له من موضوعات شتى ولي الحق بعد ذلك أن الاعتراض على ما يقول ..
اختلافي معه في بعض مقاطـع قصـائده (التي قرأتها له) وكنت – والحق يقال – أحـسُّ بضيق شــديد و بألم عندما أتذكرها ، لم أكن أعـرف عنه شيئا عندما قرأت ذلك الكتاب ، كنت أيامها طالبَ مدرسةٍ ما زالت مداركه في هذا العالم محـدودة ، أصيب بإدمان القـراءة ، عندما يقرأ ، يقف عند الكلمات ويستفسر عن مغـزاها ، بعد البحث عرف سبب وجود هذا المفردات في بعض الأشعار التي يقرأها ، لقد كان (البياتي) يعبر عن أيديولوجية غرس فيها قلمه ليعبر عن معتقدات اقتنع بها رغم إنها تصدمنا ، حيث تجد صور ( الوجودية ) تتمثل في أشعاره ، لقد كان (يسارياً) إلى أبعد الحدود ، وهذا يفسِّر أشياء كثيرة في شعره ... رغـم اختلافنا العقائدي معه فإن ذلك لا يجعلنـا نُنكِرُ تلك الشاعرية الفيَّاضة والأحاسيس المرهفة ، وقوة الكلمة والصور الواضحة الجلية التي تبرز في قصائده ، ولا غرو فقد كان أحد مؤسسي الاتجاه الحداثي (مع بدر شاكر السياب ونازك الملائكة) في الشعر العربي ، وكانوا من أوائل الذين وقفوا خلـف رياح التغيير في شكل وهيكلية القصيدة العربية العموديـة ، فأخذت طابعا جديدا غير مـألوف من قبل ، هو إلى النثر أقرب منه إلى الشـعر ، اعتبره البعض تخلصا مما أسموه قيـودا تكبل الكلمة وتحجر على التعبير ، فتم تمويج الشكل والقافية والتخلص من بحور (الخليل) ومن تلك العـروض (مستفعلن فعول مفاعيل ..) مكتفين بوحدة التفعيلة ، والتزم البعض بالجرس الموسيقي الداخلي للقصيدة ، وتمادى بعضهم في هذا التحرر حتى أصبح الشعر الحر حرا بالمعنى الواسع للكلمة إذ أصبح كلمات مرصوصة بلا تفعيلات مخصوصة :
لا قافية
لا تفعيلة
لا موسيقى
كلمات لا معنى لها ولا طعم
كلمات توغلت في متاهات وأحراش الإبهام والغموض بل والابتذال ..
كلمات سوقية منافية للأدب السامي ، منافية للذوق والحس السليمين
أصبح الشعر الحر لدى بعضهم لا يعني إلا التحرر المطلق من قيود اللغة وقيود المعنى وبل وأصبح وسيلة التعدي على الذات الإلهية وعلى الدين .
ضع كلمة هنا وكلمة هناك وحاول قدر جهدك أن تكون الكلمات متنافرة ، غير متجانسة ، واجعل عباراتك غير مفهومة وغير واضحة وأضف إليها شيئا من الكلمات غير المفهومة ستكون حينئذ شاعرا تنشر لك الصحف ..
ليس المجال مجال (شعر حداثة) بقدر ما هو تداعي بعض الأفكار حول هذا الموضوع ، لو قرأنا (للبياتي) وهو من رواد
هذا الشعر لوجدنا في شعره شيئا مما ذكرته :
يقول (البياتي) :
• الله والأفق المنور والعبيد يتحسسون قيودهم .. ( تعالى الله عما يصفون )
• في الأصقاع الوثنية حيث الموسيقى والثورة والحب وحيث الله
فسيبقى صوتي قنديلا في باب الله
• ( يصف مدينة نيسابور ) :
كل الغزاة بصقوا في وجهها المجدور
وضاجعوها وهي في المخاض ألف ألف مرة
وهي في أسمالها تضاجع الملوك تفتح للطغاة ساقيها
• ويقول عن ( اللغة العربية ) :
اللغة الصلعاء كانت تصنع البيان والبديع فوق الباروكة
وترتدي الجناس والطباق في أروقة الملوك
وشعراء الكدية والخصيان في عواصم الشرق على البطون في الأقفاص يزحفون
لينمو القمل والطحلب في أشعارهم .
والأمثلة على كثرتها تصعب على الحصر نجدها هنا وهناك لدى شعراء الشعر الحر إلا من رحم ربي ، ولا أزعم إطلاقا إن كل الشعر الحديث أو الحداثي يتصف بهذه الصفات فهناك قصائد من الشعر الحـر تتسامى في أفكارها وكلماتها وطروحاتها أي تسامي .. وسوف نتناول هذا الموضوع بالدراسة مستقبلا - إن شاء الله – بشيء من التفصيل .
وعودا على بدء ... كما يقال :
يقول (البياتي) :
شَيَّد الغداة مدائنك
بالقرب من فيزوف
ولا تقنع بما دون النجوم
إنها دعوة تمتلئ بالتحدي ، بالطموح الذي يتجاوز النجوم علوا ورفعة ..
شَيَّد الغداة مدائنك
ليس مجرد كوخ صغير يتهاوى مع الرياح ، وليس مجرد بيت تحتجز جدرانه طموحات أصحابه لتتراوح بهم الأماني
إلى ما دون سقوفه ، بل دعوة بناء ( مدن ) وما تحمله هذه الكلمة من مضامين ورؤى وطموحات لا تحد ...
شَيَّد الغداة مدائنك
بالقرب من فيزوف
ابن مدنك بالقرب من ( فيزوف ) ذلك البركان (الخامد/الثائر) ، فمهما كانت أحلامك وطموحاتك بل مدنك قريبة من خطوط الخطر وعلى فوهات بركان مهما كان نوع هذا البركان أوكانت هذه الأخطار فإنها يجب أن تظل صغيرة ولو كانت بحجم (فيزوف) أو (فوجي)، فطموحاتك وإصرارك وتحديك يجب أن تكون أكبر منها ،وتعالى بطموحاتك وآمالك وأمانيك وأحلامك فوق ذرى النجوم ..
ولا تقنع بما دون النجوم
في مطالبك و كن على ثقة إنك قادر على تحقيقها ، أما إذا لم تصل إلى هذا المستوى وتضاءلت وتصاغرت وكانت أدنى من ذلك فلا يداخلك الشك إنها سوف تتحقق ، بل أنك حكمت عليها من البداية بالتعثر والفشل ، أما إذا كانت طموحاتك كبيرة وعزيمتك قوية فإن ذلك بمثابة ضوء يرشدك للوصول إليه .
وليضرم الحب العنيف
في قلبك النيران والفرح العميق
لا يكفى الطموح وحده إن لم يكن معززا بالحب .. وأي حب ؟
إنه ( الحب العنيف ) الذي وصفه الشاعر ممتزجا ( بالفرح العميق ) .
حب عنيف ... دافع مستمر لتحقيق الطموح .
فرح عميق ... بقرب الوصول من تحقيق الهدف .
طموح جموح وحب عنيف وفرح عميق تلك هي (الخلطة) المطلوبة لأجل المسير في طريق الحياة .
هذا ما فهمته من هذه الكلمات ....
مع خالص تحياتي