المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل نحن سبب الغلاء؟!


حسين نوح مشامع
17-12-2007, 07:41 PM
هل نحن سبب الغلاء؟!
بدأ حياته طالباً في أحد مدارس الابتدائية. لم يكن من الأوائل، ولا من المجتهدين، لكنه لم يكن يرسب أو يعيد سنته الدراسية. وكان ينتقل هكذا من سنة دراسية إلى أخرى، دون أن يكون له هدف محدد يصبوا إليه. غير الحصول على شهادة، تمكنه من الحصول على عمل أو وظيفة تدر عليه دخلاً معقولاً. دخل يستطيع به سد حاجته وحاجة عائلته. فجأة يتغير الحال وتنقلب الأوضاع رأس على عقب، ويجبره أبوه على ترك الدراسة، لعدم تمكنه من تحمل مصاريفه المتزايدة يوماً بعد آخر. مرة ملابس رياضية، وأخرى أدوات نشاط مدرسي، مبالغ مالية للعناية بالفصل وتنسيقه، وآخرها تكاليف الذهاب في رحلة مدرسية.

يا بني: لم أعد أستطيع دفع مصاريفك الكثيرة، وتلبية حاجات البيت ومصاريف المعيشة. قالها الأب وقلبه يتقطع حزناً وكمداً على ابنه الأكبر الذي يرى فيه نفسه ومستقبله! بكى الابن بكاء مراً ولم يستطع إخفاء حرقته ومرارة ترك الدراسة، ومع ذلك قالها أخيرا موجهاً كلامه لأبيه: تعرف لماذا ادرس واجهد نفسي؟! أنا أقوم بذلك لأساعدك واحمل عنك بعض أعبائك! لكنك لم تمهلني ولم تعطني الفرصة لأقوم بذلك؟! قال الأب وهو يتفجر بكاءً وألماً: ليس أنا من قضى على آمالك وأحلامك، لكنها الحياة المرة القاسية، التي لا ترحم الصغير قبل الكبير، والغني قبل الفقير! تسائل الابن محاولا كتم مشاعره وآلامه: وما هو المطلوب مني الآن، وأين سأجد العمل المناسب وأنا في هذه السن الصغيرة؟!

أخذ يبحث عن عمل، من شركة إلى أخرى، ولكن دون فائدة. الكل يتعذر بصغر سنه، ولا يراعون حاجته وحاجة عائلته وعوزها! كما أخذ الأب يبحث عن عمل لابنه، يستعطف هذا ويداهن ذاك، ولكنه رجع بخفي حنين! فبقي هكذا دون عمل ودون دراسة، حتى يكمل السن القانونية التي تؤهله للعمل! أخذ الأب يخفي وجهه كلما رأى ابنه أمامه خجلا وحياء، ولم يستطع أن يصارح ابنه بالحقيقة، مخافة أن تسقط مهابته في نظره. حتى اضطر الابن إلى مغادرة البيت واللجوء إلى الشوارع وبيوت الأصدقاء. ولا يرجع إلى بيته أبيه إلا نزراً ويخرج مسرعاً، تفادياً رؤية أبيه له! معتقداً كراهيته له، وعدم رغبته في وجوده في بيته!

ومرت السنون وكبر جسمه وازداد طوله، وعلى العكس من ذلك تقلص عقله وذوى فكره. كل ذلك بسبب البعد عن الدراسة والمعرفة، ومصاحبة رفقاء السوء والعاطلين. وعند وصوله العمر القانوني المطلوب، لم ينسى الوعد الذي أخذه على نفسه، بأن يعمل لمساعدة أبيه وعائلته. فتقدم إلى عدة شركات ومؤسسات طالباً العمل. ولكنه لا يعلم لابتعاده عن سوق العمل، بتغير الأوضاع وتبدل متطلبات السوق. لم يجد العمل المناسب بالراتب المناسب، لعدم وجود الشهادة الدراسية، وعدم توفر الخبرة العملية المطلوبة. فقبل بما جادت به نفوس أصحاب العمل، ولكن ذلك لا يسد رمقاً ولا يطفأ عطشاً. كيف ذلك والغلاء يستعر يوماً بعد آخر، والفقراء يزدادون يوماً بعد آخر. أخذ ذلك الراتب الزهيد، وذهب يطرق باب بيت والده، ليلقيه في أحضانه لائماً معاتباً.

أخذه والده بين يديه يقبله ويحضنه، قائلاً لها: لقد كبرت يا ولدي لقد اشتقنا لك كثيراً، لقد طال غيابك؟! أتظن أني أكرهك أو أتبرأ منك، ولكني لم استطع أن أنظر في وجهك خجلاً وحياء، بعد فعلتي تلك! لقد كبرت يا ولدي كثيراً كأنما قد حان وقت زواجك، لذا يتوجب عليك جمع المال الكافي لنعقد قرانك! عاد واستقر في بيت أبيه بعد فراق طويل، وأخذ يفكر في ما قاله والده من أمر زواجه. راقت له الفكرة، وتسائل إذا كان إلى تنفيذها من سبيل؟! وكيف ذلك ومتطلبات الزواج كثيرة ومتعددة، ولا يمكن حصرها واستقصائها، فهي تخرج مثل دود الأرض دون تقدير! أخذ يسأل ويجمع المعلومات، عن احتياجات بيت الزوجية المختلفة. ذهب إلى معارض الأثاث، ومحلات المفروشات، ومكاتب الديكور. سجل أسعارها وأنواعها وموديلاتها. وبعد أن استقر رأيه على نوع الأثاث - ولون الفرش – وتصميم الديكور، استعداداً لجمع المال. عمل ليلاً نهاراً، ولم يترك العمل الإضافي، وغاب عن البيت في أيام العيد.

وفي كل فترة، يعود ليزور المحلات والمعارض والمكاتب، ليتأكد من عدم تغير أسعارها، ولكن ذلك لم يكن ليعينه، ولكن يزيده إحباطاً وتشاءما. ففي كل مرة يذهب فيها، يعود بأسعار جديدة، خيالية مرتفعة! كأنما الدنيا بل الكون، يقف ضده ليمنعه من الزواج! لم يعد صغيراً، ولم يعد يستطيع العيش دون من تشاركه حياته! أخذ يقول متذمراً معترضاً: هل يجب على الفقير أن يبقى فقيراً طول عمره، وتحت حد الكفاف؟! وإذا كان هذا قبل الزواج، والأسعار ترتفع تباعاً، كيف ذلك بعد الزواج والإنجاب؟! كيف ذلك والراتب لا يكفي ليسد حاجته هو شخصيا الآن، فكيف به بعد زواجه وكونه صاحب عائلة؟! هو يعذر والده لما قام به في الأيام الخوالي، وأقتنع به! وقد يعمل هو ذات الشيء عندما ينجب الأولاد، إذا أصبح لا يستطيع تلبية طلباتهم الشخصية الأساسية، فضلاً عن تلك الجانبية الطارئة! عندها قرر عدم الزواج، لان لا يتورط في الإنجاب، فيدخل في ما لا يحمد عقباه!

لاحظ والده عدم استقراره النفسي، وامتناعه عن الإقبال على الدنيا ومباهجها! فقال له: يا ولدي مشكلتنا عدم القبول بفكرة تغير الدنيا، وتقلب الأوضاع. ونحب أن تستقر بما ينفعنا ويصب في مصلحتنا، وهذا مستحيل! كما أننا نطمح إلى ما هو فوق طاقتنا ومقدرتنا، مما يجعلنا نقع في ما لا نرضى ولا نحب! عندها فهم كلام والده، وفهم أن بقاء الحال من المحال، وبما إنه لا يستطيع تغيير الأوضاع، فيجب عليه أن يرضى بها كما هي! فتزوج من عائلة مستورة، ترضى به وبوضعه. واقترن بفتاة كريمة، لا تكلفه فوق استطاعته، بل تكبح جماح نفسها وتعينه عليها. وقرر عدم الإكثار من إنجاب البنين والبنات، ليتمكن من تربيتهم وإطعامهم وكسوتهم. وتمنى أن لا يصل به الحال، من منع أبنائه من التعليم والثقافة، ليحصلوا على ما فقده هو أيام صباه!
بقلم: نوح حسين مشامع – محافظة القطيف - السعودية

محمد محفوظ
20-12-2007, 02:16 PM
قراءة اولى على عجل ولى عودة هنا اخى الحبيب اتتظرنى

محمد محفوظ
20-12-2007, 02:21 PM
استاذ نوح
بل اي سرٍ ذاك الذي يكمن في نبضات الحروف الصارخة من شغاف أناملك ؟؟ ... ها هنا أتيت ومزجتي بين الجمال والجمال حروف الواقع ولم تدع لنا هوامش لكي نستطلع منها تحليلات الحروف .. فلقد تناثرت مشاعر وأناملك ومشاعرنا معاعلى ملامح الورق فغمرتها روعه فشكرا لك استاذنا

حسين نوح مشامع
25-12-2007, 04:25 PM
شكرا لكم على قبولي عضواً
أرجو أن أكون عضواً فعالاً بينكم

نزار ب. الزين
27-12-2007, 02:51 AM
الأخ الكريم نوح
نص مؤلم يعكس حالة قطاع عريض من مجتمعاتنا العربية ، و كان من الممكن لهذا الشاب أن ينحرف لولا أنه يتمتع بقدر عالٍ من الوعي
و قد نجح الكاتب في إبلاغ رسالته بأسلوب سلس ، و إن كان لا يخلو من بعض الأخطاء المطبعية البسيطة
سلمت يداك يا نوح و إلى الأمام
نزار

محمد الفرحان
22-02-2008, 08:11 AM
.

.

الف شكر لك اخي على هذه

القصة الرائعة ولاعدمنا

حضورك

لك مني فائق التقدير
والاحترام

مزون المحمد
26-02-2008, 02:44 AM
ألف شكر أخي حسين على هذا الحضور

دمت بألف خير

فهد الدباسي
22-03-2008, 01:53 PM
حسين نوح مشامع


قصةٌ جميلة

و حضورٌ لافت كـ عادتك


تقبل تحياتي