المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إنحياز - أقصوصة - نزار ب. الزين


نزار ب. الزين
14-03-2008, 06:54 AM
إنحياز
أقصوصة
نزار ب. الزين*


إذا كنت تظن يا صديقي أن الصغار لا يحبون فأنت مخطئ ...
إنهم يحبون ، و يتعلقون بحبال الهوى ، و يجربون لواعج العشق و أوجاعه ، يبهجهم اللقاء ، و يعذبهم الفراق ؛ تماما كما يعاني العشاق الراشدون .
كنت في الرابعة ، عندما دعيت ربيعة لتلعب معي فاستجابت ، كنت يومئذ فوق سطح منزلي ، و كانت فوق سطح منزلها ، و لا يفصل بين السطحين سوى حاجز خشبي بارتفاع يتجاوز المتر الواحد بقليل ؛ سمعت والدتها تحذرها من الاقتراب من السور المطل على الشارع ، فاستبد بي الفضول ، جررت كرسيا و بمشقة كبرى تمكنت من إلصاقه بالحاجز ، صعدت على الكرسي ، أطليت برأسي ، فشاهدتها تفترش الأرض و بين يديها الصغيرتين لعبتها المصنوعة يدويا .
* ما اسمك ؟
** اسمي ربيعة ، و أنت ؟
• أنا نصوح ، تعالي لنلعب معا !
** سأسأل أمي ..
و منذ ذك اليوم لم نعد لنفترق ، و كنا سببا لتعارف والدتينا اللتين لم تعودا تفترقان كذلك ..
و ذات يوم وقفت على الشرفة ، ناديتها – كعادتي - فلم تجب ...
رفعت صوتي أكثر ..صرخت .. و لم تجب ..
مددت رأسي إلى أقصى ما أستطيع ، فكان باب شرفة بيتها مغلقا و كذلك جميع نوافذ بيتها ..
ربيعة .!..!.. صرخت مجددا ، سمعتني أمي ، فجاءني صوتها بعيدا ، فقد كانت لاهية بالعناية بذلك الشيء الذي أسموه شقيقتي ، و التي أنجبتها لتسليني كما ادعت ؛ صرخت بشيء من الغضب : " سد حلقك يا ولد .. صوتك مثل الجرس رن في الحارة ، مؤكد سمعه كل من فيها ، ربيعة و أهلها مسافرون ، يا ولد ! "
صدقني أنني شعرت – أنا ابن الرابعة - أن الأرض مادت بي ،
صدقني أنني دخلت إلى فراشي و رفعت الغطاء فوق رأسي و أجهشت بالبكاء ..
بربك أليس هذا عشقا ؟
كان غيابها طويلا ، ربما أكثر من شهر ، كابدت خلاله الأمرين ، شعرت بنفسي كالتائه ، صدقني ، لم أعد أشتهي الطعام ، لم أعد أهنأ بالنوم ، أخذت الكوابيس تنتابني و ترعبني ...
و ذات ليلة ، صحوت و أنا اصرخ رعبا ، فنهض والديَّ مذعورين و هرعا نحوي ، فأجبتهما : " ربيعة أكلها الضبع " و كم كانت مفاجأتي كبيرة ، عندما انفجرا معا ضاحكين ..
*****
كبرنا معا ، و دخلنا المدرسة الإبتدائية معا ، و لكن هي في مدرسة الإناث و أنا في مدرسة الذكور " ترى لماذا لسنا في مدرسة واحدة " كنت أتساءل دون أن أجد من يجيبني ؛ و لكن الأمر لم يختلف كثيرا ، فكانت غالبا ما تجمعنا الأمسيات ، فنكتب وظائفنا معا ، و نذاكر بعض الوقت ، ثم نبدأ باللعب ..تارة في بيتها و مرة في بيتي .
كانت متعتنا الكبرى عندما نصنع خيمة من الملاءات و الأغطية ، و نملؤها بالعابنا و بما تواجد في الدار من حليوات أو مكسرات ، ثم نندس داخل الخيمة فرحين ، و كأننا قد بنينا بيتنا أو عشنا المشترك .
و لم يكن ينغص متعتنا عندما نكون في بيت ربيعة ، سوى شقيقها الكبير فاروق ، كان كبيرا جدا أو هكذا كنت أراه ، كان فارع الطول مع سِمنة واضحة ؛ كان فاروق يقضي معظم وقت ما بعد المدرسة في الحارة ، و لكنه عندما يعود إلى البيت ، يبدأ بمعاكستنا ، و كثيرا ما كان يخرب خيمتنا ، أو يسرق سفرتنا من الحلويات أو المكسرات ، و إذا ما احتجت ربيعة كان يوسعها ضربا و بلا رحمة ، فستنجد بأمها ، إلا أن أمها كانت تتجاهل استغاثاتها ، و إن تشددت قليلا كانت تعاتبه بميوعة واضحة : " حرام عليك يا فاروق ، اختك أصغر منك ترفق بها " ، و كم كنت أشعر بأن ما أشاهده ظلم مبين واقع على المسكينة ربيعة ، سواء من قبله أو من قبل أمه .
و ذات يوم صفع فاروق ربيعة فأدمى فمها ، و فجأة وجدت نفسي أندفع نحوه و أضربه بيدي الصغيرتين ، و كانت النتيجة ( قتلة مرتبة )* تعرضت لها ، وضع فيها كل قوته ، و خلفت في راسي نتوأين و في وجهي و يديَّ بقعا زرقاء و بنفسجية .
عندما شاهدتني أمي على هذه الحال ، اندفعت إلى بيت ربيعة ، و لم أعلم ما جرى هناك ، لولا أني سمعت أمي و هي تحدث أبي عن الواقعة ، و أنها كادت تتشاجر مع أم فاروق ، التي كانت منحازة تماما لابنها ، و أنها متعجبة من هذا الأسلوب التربوي الفاشل .
و منذ ذلك اليوم لم أعد أذهب إلى منزل ربيعة إلا عندما أتيقن من عدم وجود فاروق لفترة طويلة ، و لكنها لم تنقطع أبدا عن قدومها إلى منزلي ...
*****
و لكن .....
عندما بلغنا الصف الرابع الإبتدائي ، و بدون سابق إنذار أو أية مقدمات ، منعونا من اللعب معا : " ربيعة كبرت يا نصوح ، و قد منعها أبوها من اللعب مع الصبيان !!! " قالت لي أمي ، فأجبتها بسذاجة : " و لكنها لا تلعب مع الصبيان ؟ لا تلعب إلا معي !! " فضحكت أمي و هي تجيبني بنبرة ساخرة : " ألستَ صبيا يا نصوح ؟ "
صدقني أنني تعذبت ،
صدقني شعرت بنفسي كالتائه ،
صدقني ، لم أعد أشتهي الطعام ،
لم أعد أهنأ بالنوم ، عادت الكوابيس تنتابني و ترعبني تماما كما أرعبتني عندما سافرت و أهلها ذلك الشهر المشؤوم...
صدقني كانت صدمة ، جعلتني أتساءل : " و ما معنى أنها كبرت ؟ و ماذا لو كبرت ؟ فأنا ايضا كبرت ، و لم تقل لي أمي أن اللعب مع البنات ممنوع ، و هل ستقول لي أمي ذات يوم لا تلعب مع أختك لأنها بنت ؟ "
أحجية خلطت الأوراق في دماغي الصغير ....
و كان السؤال الملح يتضخم .." و ما الفرق بين الصبي و البنت ؟ "
*****
بيوتنا العتيقة كانوا يبنونها من هياكل خشبية ملبسة بالطين ، فكان من السهل عليّ أن أسمع كل لكمة من محاورات جيراننا عندما يكونون في الغرفة المجاورة لغرفتي ، و كنت أميز بوضوح صوت ربيعة ؛ فأفرح و أحاول التقاط كل كلمة تتفوه بها ، حتى أصبح التنصت عليها عادة متأصلة .
و لكنني كثيرا ما كنت أسمعها أيضا تتشاجر مع شقيقها فاروق ، لينتهي الشجار ببكائها الذي كان يقطع نياط قلبي ...
كم تمنيت أن أندفع إلى نجدتها ، و كم تخيلت أن لدي من القوة ما يجعلني أهدم هذا الجدار لأقفز فوق ذلك العملاق الفظ ، فآخذ بثأري و ثأر ربيعة منه ..
و ذات يوم ارتفعت أصوات استغاثات ربيعه فوق المعتاد ، فهرعت إلى والدتي ، و جررتها إلى غرفتي و أسمعتها استغاثات ربيعة و صراخها و ولولتها : " إفعلي شيئا يا أمي " رجوتها بعين دامعة ، فأجابتني مؤنبة : " و ما دخلنا نحن ؟ من تدخل في ما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه يا نصوح !.." و لكن فجأة تطور الأمر إلى منحى آخر : أم ربيعة تصرخ : " من عملها فيك يا كلبة ، اعترفي و إلا ذبحتك بيدي هاتين ذبح النعاج .. من يا كلبة .. قولي .. انطقي " ؛ و يبدو أنها أخذت تضربها بشراسة ، فقد ارتفعت وتيرة استغاثاتها حتى بلغت عنان السماء .
لم أفهم معنى العبارة ، و أخذ السؤال يطن في أذني " من عملها فيك يا كلبة ؟؟ " من عمل ؟ و ماذا عمل ؟
والدتي التي كانت تؤنبني قبل قليل و تتهمني باستراق السمع و التجسس و التدخل بما لا يعنيني ، أخذت تصيخ السمع و قد بدا عليها التوتر الشديد ..
" من يا كلبة ، احكي ..انطقي .. قولي ، هل هو نصوح ؟ "
هنا ، التفتت أمي نحوي و حدجتني بنظرة حائرة لم أدرك مغزاها ، و نظرت إليها نظرة بلهاء و قبل أن أقسم لها أنني لم أفهم ما تعنيه ، قاطعتني مشيرة إليَّ أن أصمت ، كانت ربيعة في تلك اللحظة تعترف ، قالت بصوت مرتعش يقطعه النحيب : " حرام عليك ، نصوح لم أقابله أو أكلمه منذ أكثر من عام ، سأعترف و ليكن ما يكون ، إنه فاروق !!!! " .
و ما أن سمعت أم فاروق اسم أثيرها ، حتى جن جنونها فانهالت على ربيعة ضربا من جديد و هي تصيح : " تتهمين أخاك يا كلبة ؟ تورطين أخاك الكبير يا مجرمة ؟ تريدين فضيحتنا يا بنت الحرام ؟ تبغين القضاء على مستقبل أخيك يا حقيرة ؟ و الله و بالله إن سمعتك ثانية تتهمين أخاك لما أبقيتك حية ساعة واحدة ! "
و يبدو أنها انهالت عليها ضربا من جديد ..
ثم ...
سمعناها تصيح : " إلى أين أنت ذاهبة يا كلبة ؟ إرجعي في الحال .."
ثم ....
سمعناها و قد ابتعد صوتها ، و هي لا تزال تهدد و تتوعد ربيعة ..
ثم .....
سمعناها ، تولول ، و صوتها آتٍ من ناحية الشرفة ..
ثم ......
هرعنا نحو الشرفة ، و يا لهول ما رأينا :
جسد ربيعة مسجى جثة هامدة على رصيف الطريق .
--------------------------------------------
* نزار بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
عضو الجمعية الدولية للمترجمين و اللغويين العرب ArabWata
الموقع : www.FreeArabi.com
البريد : nizar_zain@yahoo.com

لون الثلج
15-03-2008, 01:41 PM
:

نزار ب. الزين

من جد الانحياز للولد شي طبيعي في بعض الدول العربيه ..

وانه مهما فعل لا يغلــط ..!!

من جد قصـه استمتعت بقرأتها وتأثرت بها

لك كل الاح ــترام..//





.

فهد الدباسي
15-03-2008, 02:31 PM
نزار الدين


قصةٌ جميلة

و نزفٌ رائعٌ بـ الفعل


سلمت و دمت

تحياتي

مازن الطباع
15-03-2008, 02:39 PM
من جد قصـه استمتعت بقرأتها وتأثرت بها
يسلمو اناملك
تحياااتي

نزار ب. الزين
15-03-2008, 07:10 PM
الأخوات و الإخوة
لون الثلج
فهد الدباس
مازن الطباع
شكرا لزيارتكم و ثنائكم العاطر
مع خالص المودة و التقدير
نزار

محمد محفوظ
18-03-2008, 09:26 AM
نزار حضور متألق ورائع ومبدع في عالم الكلمه والحرف

وأحساس جدا صادق خاطب الصمت حتى تحدث


تحياتي لك ولقلمك المبدع

نزار ب. الزين
18-03-2008, 09:30 PM
نزار حضور متألق ورائع ومبدع في عالم الكلمه والحرف
وأحساس جدا صادق خاطب الصمت حتى تحدث
تحياتي لك ولقلمك المبدع
================
غمرتني بلطفك و ثنائك الدافئ يا أخي محمد محفوظ
فلك كل الإمتنان و التقدير
نزار

محمد الفرحان
13-05-2008, 04:29 AM
.

.

نزار وحضور لافت كالعادة وقصة

تابعتها للنهاية

.

.

لاعدمنا هذا الحضور وتقبل فائق
تقديري واحترامي

مزون المحمد
30-05-2008, 08:41 AM
حضور جميل بحرف يسعدنا تواصله

ألف شكر

لاهنت