المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أزاهير من ديوان عمر أبي ريشه أحمد مكاوي


أحمد مكاوي
22-03-2008, 12:36 PM
أزاهير من ديوان عمر أبي ريشة

عند النظر في ديوان عمر أبي ريشه يتجلى لنا معنى الشعر الصافي في أبهى صوره , يذهب بنا إلى أبعد نقطة يمكن أن تصلها النشوة التي يولدها فينا , يطلق الآه النابعة من عمق الإعجاب والتأثر من خلال صور رائعة , بسيطة / معقدة , واضحة / غامضة , قريبة / بعيدة , تتحول الكلمات إلى أشباح جميلة ترغمك على السير وراءها دون انقطاع , وكلما أحسست أنك تقترب منها وتكاد تلمسها بل تحضنها .. تجدها على بعد شاهق منك , عروسا تتألق في أبهى زينتها ..
إقرأ مع إن شئت قصيدة « سراب» وتمتع معي بكل الصور المتلاحقة في قصيدة قصيرة , يرغمك كل بيت منها بل كل شطر من أشطرها على أن تتابع القراءة بكل افتتان إلى أن تصل معه إلى البيت الأخير , فتبلغ الذروة عندما يفسر الشاعر ظاهرة طبيعية تفسيرا شعريا راقيا , ولا تتصور أنه سيفصلك عن جو القصيدة بل بهذا التفسير وهذا البيت تحلق القصيدة عاليا في سماء الإبداع , وهل هناك أجمل من :

إن تهتكي سـر السـراب وجدته حلـم الرمـال الهاجعات على الظما

وانظر معي إلى هذه الصور الشعرية المحلقة المتدفقة وراء بعضها البعض في بيتين هما الثاني والثالث :

سالت مـع الأمـل الشهي لترتمي فـي مسمعيـك فما غمزت لها فما
فخنقتها في خاطري .. فتساقطت فـي أدمعـي .. فشـربتـهـا متلعثما

وانظر إلى « غمزت لها فما » وهو ينكر عدم تكلمها , أو تعليقها حول الكلمات « الجراح » التي يرددها الضمير مغنيا بنجوى حالمة , رقراقة , متدفقة مع الأمل المسكوب في مسمع الحبيبة .
وانظر معي إلى جمال « مسمعيك» هنا , أهناك أجمل منها في هذا المكان؟ ولما أن رأى منها ما رأى , خنق النجوى في خاطره , معبرا عن ألم مستنكر , إلا أنها لم تطعه وتواطأت مع الدمع لتسقط فيه , فيلحقها لاهثا ليشرب دمعه متلعثما , لا يستطيع أن يبين في كلامه من دمعه وألمه .
ويمضي بنا الشاعر على جناح الخيال ليشركنا في صيده و ياله من صيد حلما ينام بأفقه متوهما ما يحلوا لكل عاشق أن يتوهم في هذا الموقف فتوهم معه !!!.
ثم يخاطبها بعد كل هذا بصفة هي من أرق وأقرب الصفات الإنسانية « أختاه» وهي بالطبع ليست أخته , لكنها أرادت ذلك ولن تكون صفة أقرب إليه بعد أن رفضت أن تكون « الحبيبة» إلا هذه ..

أختــاه قــد أزف الـنـوى فـتنعمـــي بعدي فأن الحب لن يتكلـمـا

لقد مات , وهل يتكلم الموتى ؟ وما دام يرضيك هذا فتنعمي أنت وحدك بهذا الموت ودعيني وحدي لكن: « لاتحسبيني ساليا» فما ترينه وتلمحيه من الذهول المبهم على وجهي لا يعبر حقيقة عما يمور في خاطري إنما هو مثله مثل السراب الذي إن فتشت فيه وجدته « حلم الرمال الهاجعات على الظما» .
أي صور رائعة ؟ وأي شعر هذا الذي نقرأه هنا هذه القصيدة ؟ وأي جو عشنا فيه مع هذا العبقري الذي لا يعرف الكثير عنه غير أنه شاعر كلاسيكي ينظم على إيقاعات الخليل التي لم تعد تصلح لهذا العصر وأي عصر ؟

وحلق معي / معه في قصيدته « حسبي » وهي لا تختلف عن أختها في القصر , حيث جاءت في ستة أبيات في منتهى الروعة, ويزيدها روعة بيتها الأخير , فهو صورة من واقع حسي يتكون من ثلاث مكونات كل مكون يأكل الآخر منجل , وطير , وسنابل ,إلا أن الشاعر رمى النجل لينفرد الطير بالسنابل الملأ , أما هو فلن يغير أو يحاول , وحسبه أنه مر بخاطر النعمى فترة قليلة هي في عمر المشاعر والأحاسيس كون بسعة الدنيا وما فيها لمن ذاق حلاوة هذا الإحساس واستطاع أن يعيش جوه وجواه , وحسبه أيضا أنه انتهى إلى حقيقة لن يغيرها ولن يحاول حتى :

لـك مـا أردت فـلــن أغــيـــر ما أردت ولــن أحـاول

ما دامت أرادت هذه النهاية فلها ذلك وكيف له أن يرد أرادة المعشوق , بل يترك كل شيء ويرمي بكل وسيلة يمكن أن تغير الأمر ولو كانت هذه الوسيلة قلبه وحبه , وليترك كل هذه الثمار وهذا الجمال والحسن لغيره من الطيور التي تأتي لتملأ بطنها فقط , متعة حسية زائلة لا تدوم , هو يرفض أن يغير ويسأل حتى

أنـــي رميـت بمنجلـي وتركت للطير السنابل

وقد لا يرى البعض جمال هذه الصورة الشعرية الرائعة لكن من يستطيع أن يقرأ القصيدة وحدة متكاملة غير مفصولة عن بعضها سيعرف قيمة هذا البيت وجماله , بل ولعل القصيدة بدونه لن يكون في مستوى هذا الجمال الذي هي عليه ..
ويمضي بنا عمر أبو ريشة على بساط القصيد محلقا في سماء الإبداع , وهو يختصر رحلته في هذه الدنيا معبرا عنها في بيت من قطعة تتكون من ثلاثة أبيات هي :

هـي الـدنيـا .. ومـا بــينـهـمـــــا غـصص حـرى وأهـوائي العنيــدة
رحلـــة للشـــوق لــم أبلـغ بهــا مـا أرتني مــن فــراديسـي البعيـدة
طـال دربـي وانتهــى زادي بهــا ومضـى عمري على ظهر قصيـدة

هذا هو العمر وهذا هو المنتهى عند الشاعر , أي شاعر مهما حاول البعض التمرد على هذه الصورة , وهذا الوضع , مهما طال دربه , وانتهى زاده في هذه الدنيا / المرأة , لن يصل إلى شيء إلا إذا ركب عمره على ظهر قصيدة , بها وحدها يصبح للعمر معنى , و بها وحدها يكون المركب الذي يبلغ به إلى ما يريد من الخلود , وهل هناك غاية أسمى عند الشاعر من أن يبلغ الخلود ؟!.
ومع هذا فإن عمر أبو ريشة في قصيدته التي تحمل عنوان « لمن ؟» يرينا ويدخلنا في عالم الشاعر (هو أو غيره) لنعرف من خلالها ما ينتظر هذا الشاعر من ألم لذيذ قاس يتحمله الشاعر راضيا أراد أو لم يرد , فلا خيار له غير هذا ..
قصيدة « لمن ؟» تعبر بوضوح عن حالة لا بد أن يصلها كل شاعر بعد أن يعرك طريق القصيد .. ويعرف أنه دخل مدخلا صعبا لا يمكن أن يتراجع فيه , ولكن أيضا لا أفق واضح أمامه يمكن أن يمهد له السبل إلى إتمام المسيرة .. مدخل يدخله الشاعر بنشوة الفارس المنتصر .. والعاشق الذي لمح طيف الحبيبة يلوح له .. ولكن كلما تقدم إلا ووجد الفرس يكبو .. ويكبو .. وكلما اقترب إلا ووجد الطيف يتراجع و يتراجع وهو لا يكف عن التلويح .. إنها معادلة صعبة وشائكة ولا يمكن لا أحد من الشعراء أن يحلها , بل لا يمكن له أن يشتغل أصلا بالبحث عن حل لها , فانشغاله و تماهيه في القصيدة هو ما يمكنه فعلا وقولا.
لمن تعصر الروح يا شاعر أما لضلال المنى آخر؟

هذا السؤال العصي على الإجابة .. هذا السؤال الممتد منذ أن لهج الشاعر بأول بيت إلى أن يموت على ظهر قصيدة كما عبر شاعرنا مفتوح .. مفتوح لا إجابة عليه .
ثم يمضي : أللحب ؟ أللهو ؟ أللمجد ؟ وكلها أطياف تداعب جفن الشاعر, وتدغدغ وجدانه وعقله , إلا أن الإجابات واضحة في هذه القصيدة – عند شاعرنا على الأقل – من خلال صيغ الاستفهام التي جاءت بعد الاستفهام الأول .. ووضوحها يفتح الإستفهامات إلى ما لا نهاية لأننا نستشف أن الشاعر لم يجب بقدر ما أعاد طرح السؤال من جديد :

أيــــن التفــــات الفتــــون إذا هتــف الأمــل العاثر؟
كــــم دميــــة صنعتـهــــا ومزقتها ظفرك الكاسـر ؟
مـاذا يحـــس القتيـــــــــل إذا ازور أو بسم العاثـر ؟

ماذا بعد هذا ؟؟
رويـدك لا تسفحـن الخيـل ببيداء ليس لها سامر

إذا هذا العبث أما له نهاية ؟هذا المحال الذي تطلب وتزجي من خلاله الصور الرائعة في صحراء خالية لا سامر فيها أو نديم ..هذا العالم الذي لم يعد يلتفت إلى الشاعر وخياله وآماله وأحلامه التي ذوبها من ذوب وجدانه ما هو إلا بيداء لا سامر فيها ولا صاحب ..
والأولى أن تدع الحلم في خلدك , فلن تلقى في غدك إذا ما نضحته في هذه البيداء إلا غد ساخر مما أنت فيه , أو مما تريد له ..

دع الحلم يخفق في ناظريك فمـوعــده غـدك الساخــر

إنها نفثة مصدور لواقع الشعر والشاعر في وقت كان فيه الشعر مكانة وصيت , فآه يا عمر – يا صديقي – ماذا تقول في وقت تولى مملكة الشعر الرويبضة .. وأصبح في آذان الناس وقر من الشعر , وهام الكل في وديان التعمية والضبابية والضياع ....

سيدي عون الوادي الجزائر
أحمد مكاوي

مزون المحمد
22-03-2008, 11:59 PM
قراءة جميلة وإضاءات فكرية رائعة

أحمد مكاوي

ألف شكر على هذه الإطلالة المميزة

لاهنت

أحمد مكاوي
28-03-2008, 01:25 AM
مزون
شكرا على الإطلالة
الممتن أحمد

عبدالعزيز الابراهيم
28-03-2008, 09:44 AM
وللشعر في حضور أبي ريشة جمال


أحمد


أجدت وللمزيد من روعة الفكر ننتظر



دمت راقيا


تحيتي وتقديري

أحمد مكاوي
28-03-2008, 02:33 PM
لله درك أيها العزيز
ولنا في حدائق إبي ريشه كل الجمال
دمت

مازن الطباع
28-03-2008, 02:51 PM
احمد مكاوي
اطلاله رائعه بكلام عمر ابو ريشه
ذوق شفاف وحساس شاعر
تحيااااتي

لون الثلج
02-04-2008, 03:59 PM
:




أح ـــمد مكاووي


من جد قرأه جميله ..


يعطيك العافيــه

إح ــترامي لك..


.

أحمد مكاوي
09-04-2008, 07:31 PM
شكرا مازن
مازال حرفك يحملني على التمسك بالحرف أيها الرائع
الممتن أحمد

أحمد مكاوي
09-04-2008, 07:33 PM
لون الثلج

لقد أسعدني مرورك
وأفرحني إعجابك بما كتبت
شكرا على مرورك
الممتن أحمد

ريانة القحطاني
11-04-2008, 05:46 AM
وشمت الجمال عطراً
فـأغدقنا سحرا

!
!
سلم لنا الفكر الراقي

أحمد مكاوي
11-04-2008, 09:51 AM
ريانة القحطاني

أحذانا عمر أزاهيره
فشممنا أريج الجمال
وأحببنا منابع وأهلها
فوددنا أن تتعطر بذكر هذا الشاعر الكبير
شكرا على وقوفك في دوح عمر يا ريانة
الممتن أحمد

محمد الفرحان
29-04-2008, 07:02 AM
.

.

أحمد مكاوي

وأنت من اهل منابع ومانحن سوى ضيوف

على مائدة قلمك الدسمة

كل الشكر لك على هذا التواجد المثري

وتقبل فائق تقديري واحترامي

أحمد مكاوي
29-04-2008, 08:26 AM
أستاذ محمد

نعم أنا من هلها
وأنا الذي عشق الوصال ومده
ومضي به في دربكم ويناجي
كل الذين تواجدوا وتعطروا
بمدادكم يا سادتي
فالحسن أنتم
شكرا على ما تقوم به
وشكرا على تواجدكم قربي
الممتن أحمد

فهد الدباسي
13-05-2008, 12:45 PM
عمر أبو ريشه
شاعرٌ جميل

حفر اسمه في قلوب متذوقي الشعر
و في تاريخ الشعر
و هو حتماً يستحقُ هذا و أكثر

فـ في قصائده تلمس صدقَ الشعور و روعة التصوير


أحمد مكاوي

هنيئاً لنا هذا الحضور و هذا القلم الأنيق


تحياتي

أحمد مكاوي
13-05-2008, 06:12 PM
أخي فهد

جميل جدا تواجدك على مشارف نصي
لك مني كل الود
الممتن أحمد